الاثنين، سبتمبر 12، 2005

لا حياء لمن تنادي

لا حياء لمن تنادي نقلاً عن أخبار الأدب الأحد 11 سبتمبر 2005 لا حياء لمن تنادي

-->دم الضحايا لا يزال ساخنا، ولن يمنعنا احترام الحزن الذي شملنا من السؤال، فنحن في هذه الجريدة لم نتوقف يوما عن المساءلة. ولكن للأسف، بقدر إصرارنا علي السؤال كان الإصرار علي الصمت المريب من موظفي الثقافة الأثرياء أو الذين صاروا أثرياء أمام أعيننا.

الكارثة الإنسانية والثقافية التي حلت مساء الإثنين الماضي في حريق قصر ثقافة بني سويف أفدح من أن نستوعب خسارتها، وأخطر من أن تمر هكذا ككثير من الكوارث المرورية والحرائق والانهيارات التي يتم تحميلها بحق أحيانا وبدون حق غالبا علي ¢القضاء والقدر¢. كيف للهب شمعة أن يحمل هذا الأثر المدمر: أن يخلف كل هذا العدد من الضحايا بين المسرحيين والجمهور؟ كيف تتحول قاعة عرض إلي محرقة تتبدد فيها كل هذه المصائر، وتموت فيها كل هذه الأحلام؟ الخسارة الثقافية بموت هذا العدد من مبدعي المسرح لا تعوض، وكذلك خسارتنا في أخبار الأدب بفقد عدد من أفضل نقاد المسرح الذين أضاءوا بكتاباتهم صفحات هذه الصحيفة، أمثال محسن مصيلحي وحازم شحاتة وصالح سعد. ولن نستبق نتائج التحقيقات، لكن هناك أسئلة لابد أن تطرح: هل كان لسقوط شمعة أن يصل إلي هذه الدرجة من الفداحة لو أن القاعة التي استقبلت العرض المشئوم كانت تتمتع بأدني الشروط الفنية وإمكانيات التأمين؟هل هي قاعة مسرح حقا؟ وما مدي مسئولية قيادات وزارة الثقافة والمحافظة قبل الحارس الذي أغلق المحرقة علي الضحايا وذهب إلي المقهي؟ كيف تمت الموافقة علي قيام مهرجان بهذه الكثافة في تلك القاعة، وما مدي مسئولية الديكورات الرخيصة من أوراق شكائر الأسمنت عن المأساة؟دم الضحايا لا يزال ساخنا، ولن يمنعنا احترام الحزن الذي شملنا من السؤال، فنحن في هذه الجريدة لم نتوقف يوما عن المساءلة.

ولكن للأسف، بقدر إصرارنا علي السؤال كان الإصرار علي الصمت المريب من موظفي الثقافة الأثرياء أو الذين صاروا أثرياء أمام أعيننا. من أوائل المعارك التي خضناها في هذه الصحيفة كانت معركة المهرجان الدولي للشعر الذي رعته هيئة قصور الثقافة في خروج علي مجال عملها الأصلي في أقاليم مصر المختلفة. كما تعددت مهرجانات المسرح التي تحمل صفة الدولي ، دون أن يكون لدينا مسرح محلي، وبدلا من أن يناقشنا موظفو الثقافة فيما نكتب، أو يستفيدوا من انتقاداتنا أوغروا صدور ضيوفهم علي الجريدة، وكأننا في أخبار الأدب نقف بشكل شخصي ضدهم وضد تشريفهم بالحضور. الظاهرة المهرجانية الموجهة للخارج شملت بعطفها الكريم مجال السينما أيضا: مهرجانات يأخذ بعضها برقاب بعض بينما يتخبط إنتاجنا السينمائي من التوقف التام إلي إنتاج ينبغي أن يستر عن عيون الغرباء كعورة حقيقية! الظاهرة المهرجانية لم تسلم منها الكتابة أيضا، ناهيك عن موضة مهرجانات الإصلاح، وطوال عمر هذه الصحيفة لم نتوقف عن انتقاد ثقافة الاستعراض، وفلسفة الحفلة التي قادت إلي حمي المهرجانات والمباني الجديدة الفاخرة برخامها البارد، ومعظمها في القاهرة، وجلها في قطاع المتاحف والفنون التشكيلية. فلسفة الاستعراض التي أوجدت مهرجانا سنويا للمسرح التجريبي يستقبل أعدادا هائلة من الهواة من مختلف دول العالم بميزانية تساوي ميزانية كل مسارح الثقافة الجماهيرية طوال العام ليموت المسرح المصري فقرا وإهمالا، وقد فشلت فلسفة الإستعراض في تحقيق الحد الأدني من الكفاءة للمسارح القائمة، حتي خشبات القاهرة العريقة أصابها بؤس الإهمال فما البال بخشبات وقاعات سينما هيئة قصور الثقافة، تلك البنية الأساسية الجبارة التي طالما نادينا بعودتها إلي الحياة لتوفر للمسرحية والفيلم المصري نوعا مهما من المنافذ، بدلا من اقتصار الفنين علي القاهرة.ولكن لا حياة، بل لا حياء لمن تنادي.ظلت ثقافة الاستعراض علي حالها، لا تدع للإنتاج الثقافي الحقيقي ما يقيم فنا، ولم يعد للأقاليم الثقافية سوي مناسبات محدودة كالمهرجانات الإقليمية ومسرحيات الهواة التي تقام بأقل التكاليف، وتستضيفها هذه المدينة أو تلك أياما معدودة يعود بعدها الموقع الثقافي إلي سابق موته.وقد أثبت التدافع القاتل الذي رفع من أعداد ضحايا الإثنين الحزين وجود جمهور كبير متعطش للمسرح، ذهب ليلتقي بهؤلاء المجاهدين في الفن، فكانت الكارثة المروعة، التي لا نملك إزاءها إلا تقديم كل العزاء لأهالي الضحايا، وأن نعزي أنفسنا والحركة الثقافية المصرية فيهم، والتمسك بحقنا وواجبنا في المساءلة.