الاثنين، سبتمبر 12، 2005

وزارة الثقافة حتروح النار

نقلاً عن أخبار الأدب الأحد 11 سبتمبر 2005 في وداع ضحايا محرقة بني سويف إيهاب الحضري وحسن عبدالموجود

في تلك القاعة الضيقة ببني سويف كانت الفرقة قد أنهت عرضها المسرحي، في العاشرة من مساء الاثنين صفق الجمهور، بينما بدأ أعضاء فرقة الفيوم يؤدون التحية. مشاعر متداخلة انتابتهم في هذه اللحظة. بعضهم حاول أن يقرأ انطباعا ما في عيون أعضاء لجنة التحكيم، فحصول فرقة مسرحية إقليمية علي مركز ما يعتبر دفعة في سياق مناخ مسرحي معتل، إنه عرض المكافحين من شباب المسرحيين، لكنه كتب معه نهاية أخري غير تقليدية لم تكن لتخطر ببال أي مؤلف مسرحي مغرق في السوداوية.سقطت شمعة لتحول القاعة في لحظات إلي محرقة أنهت حياة 32 من خيرة المسرحيين وجمهورهم وشوهت ضعف هذا العدد من الذين سقطوا جرحي.عوامل عديدة ساعدت الشمعة علي إكمال جريمتها: الديكورات الفقيرة التي تضم شكائر أسمنت ومواد بلاستيكية، كراسي القاعة المبطنة بالاسفنج، السقف المبطن بمادة (الفوم) العازلة وانفجار الفريون بالتكييف، قلة وسائل التأمين أو انعدامها. يضاف إلي كل ذلك باب القاعة الذي أغلقه أحدهم من الخارج ومضي، لتتكاتف مسببات الموت كلها معا: من لم يمت بالنار اختنق ومن لم يقتله التدافع في القاعة المغلقة بحثا عن مخرج أدت الصدمة العصبية إلي وفاته.من منا يملك القدرة علي مشاهدة كائن حي يحترق أمامه دون أن ينهار؟ بعد لحظات تمكن بعض الموجودين خارج الجحيم من كسر الباب، ليصبح المشهد أكثر بشاعة فالأجساد التي يلتهمها اللهب تتدافع في اتجاهات عديدة بحثا عن نجاة بعيدة المنال.بعد لحظات كانت النيران قد التهمت أعضاء لجنة التحكيم بالكامل في أكبر فاجعة مسرحية تتعرض لها مصر، ولن يعرف أحد نتيجة العرض.في اليوم التالي تحولت أكاديمية الفنون إلي سرادق عزاء ضخم. حزن حقيقي وثقيل سيطر علي الجميع.تحولت الساحة الداخلية للاكاديمية إلي لوحة طغي عليها الأسود والصمت. كان العشرات يملأون المدخل ويجلسون علي كراس موضوعة أمام الممر المؤدي إلي قاعة عميد الاكاديمية، وثمة من يجلس أيضا علي الأرض، معظم الموجودين كانوا صامتين وبعضهم فقط يتحدث بصوت هامس، بينما انفجر كثيرون من ذوي الضحايا في بكاء صامت مكتوم.مكتب العميد اكتظ بعدد من فناني ونقاد المسرح والتليفزيون، السيد راضي، يوسف شعبان، أحمد سخسوخ، فوزي فهمي وغيرهم، جلسوا هم أيضا صامتين وتفرغ جلال الشرقاوي لمنع المصورين من التقاط الصور ، بينما كان سخسوخ يوزع علي الصحفيين اسطوانات عليها صور ومعلومات عن طلاب الأكاديمية الأربعة الراحلين بالاضافة للدكتور محسن مصيلحي.بمرور الوقت تزايد العدد داخل الاكاديمية، عشرات المثقفين جاءوا ليشاركوا في الجنازة، كان الشعور المميز لدي الجميع حالة من الغضب تسبق الحزن، وحينما تزايدت الأعداد بدأ الهمس يعلو، والبكاء يتصاعد، والغضب يشتد وتحولت الساحة إلي جلسات جماعية للأهالي والمثقفين، كانوا يتحدثون عما حدث وعن الجريمة التي تم ارتكابها في حق أبنائهم وزملائهم المسرحيين.حينما ظهر الدكتور شاكر عبدالحميد سألناه: هل زرت المسرح سابقا؟ وأجاب بسرعة: زرته السنة الماضية في مؤتمر أدباء الأقاليم ولا أعرف مدي تأمينه وتدخل الدكتور أحمد مجاهد في الحوار: الدكتور مصطفي علوي قادم في الطريق وهو الذي يمكن أن يجيب عن السؤال. في الساحة وأمام مدخل المبني الرئيسي داخل الأكاديمية تجمع الموجودون لمواساة شخص بدا عليه التأثر الشديد وشارف حدود الانهيار. تبين أنه منير الوسيمي الذي فقد ابنه شادي، وهو من مواليد ابريل 85، والتحق بالمعهد قسم التمثيل والاخراج في 2003 ومقيد هذا العام بالصف الثاني.أحد الحاضرين كان يقول لآخر: صالح سعد المخرج المسرحي مات في المستشفي رغم تأكيد الاطباء علي أن حروقه كانت بنسبة 35 بالمائة فقط فهل هو إهمال الأطباء أم أنه التأخر في نقله إلي المستشفي؟!ثمة آخر كان يقول: زوجة محسن مصيلحي لم تتعرف إليه إلا من خاتم الزواج، كانت جثة المسكين متفحمة تماما وضاعت معالمها. ودار الحديث بين مجموعة تقف في مدخل الأكاديمية عن مصيلحي أيضا، كلهم ذكروا أنهم قابلوه مؤخرا وحصلوا علي نسخ من أحدث مؤلفاته، كان الحديث مؤلما للغاية عن أستاذ الدراما والنقد بالمعهد العالي للفنون المسرحية والحاصل علي درجة دكتوراة الفلسفة في الفنون من جامعة كنت الانجليزية، ومدير مسرح الشباب سابقا والمشرف العام علي مركز اللغات والترجمة بالأكاديمية والناقد المسرحي المعروف. المسرحيون اعتبروا أن فقد مصيلحي والمسرحيين الآخرين كارثة قومية بكل المقاييس فالمسرح المصري يعاني أساسا من النقص الحاد في أعداد النقاد والكتاب والمخرجين الجادين والممثلين الموهوبين وفقد هؤلاء يزيد المسرح أوجاعا علي أوجاعه.ظهر أحمد فؤاد نجم مع محمد هاشم وابراهيم داود. جاءوا ليشاركوا في جنازة صديقهم نزار سمك، وحينما علموا أن أسرته أصرٌت علي دفنه في مقابرها بالبساتين اتفقوا علي الذهاب فورا إلي هناك وقال محمد هاشم بصوت عال، مزيج من السخرية والغضب الشديد: ابقوا سلمولي علي مصطفي علوي ورد عليه شعبان يوسف: هانقدم بلاغ للنائب العام ضده وضد كل من شارك في هذه الجريمة..بعد قليل وقف السيد راضي في قلب الساحة، تجمع العشرات حوله، بدأ في الحديث بصوت عال: هذه العملية لايمكن أن تحدث في أي مكان بالعالم، هل من المعقول أن يشتعل مكان لتنوير البشر ويصبح محرقة يضيع فيها كل هذا العدد؟!ورد عليه المخرج مصطفي المعاذ: مخرج العرض هو الذي أمر بإغلاق الباب من الخارج، والعامل نفذ أمره!!وعاد السيد راضي للحديث مرة أخري: نعم ولكن كيف يذهب العامل، المفروض أن يكون متواجدا من الداخل ملاصقا للباب حتي يتدخل فورا إذا ما حدث شيء، لكن التحجج بهذا الأمر شيء غريب ولايفيد.. الأحاديث أيضا تطرقت إلي الصدفة والقدر، الصدفة لعبت دورها في إنقاذ حياة البعض ممن اعتذروا عن عدم الذهاب في آخر لحظة مثل الشاعر والناقد المسرحي جرجس شكري، كان متأثرا للغاية وهو يحكي لكل من يقابله كيف أنه وافق علي تلبية الدعوة، ولكن بعد حدوث تغييرات صحفية بمجلة 'الاذاعة والتليفزيون' التي يعمل بها اتصل بالمسئولين عن المهرجان واعتذر لهم..' كان ممكن أكون واحدا من المحمولين في النعوش الآن'، تحدث البعض أيضا عن الكاتب المسرحي أحمد زيدان الذي لم يستطع الدخول بسبب الزحام فاضطر للانصراف، والقدر أيضا قاد البعض للهلاك، حكي البعض عن جلسة ضمت الناقد مدحت أبوبكر بأصدقاء له علي مقهي، أحدهم قال له: لماذا عدت من الكويت، أنت هناك منذ أربع سنوات و'كنزت علي قلبك' فهل تعجبك الأوضاع هنا ، لماذا لاتعود لتواصل حصد الأموال؟ورد عليه أبوبكر بحماس غير عادي: أنا عندي استعداد أدفع عمري كله في سبيل مثل هذه الجلسة التي أجلسها معكم. اختار أبوبكر الوطن والأصدقاء والموت، وكان الموت هو الأقرب من الجميع إليه.فجأة بدأ الناس في التدافع نحو البوابة الضخمة، ثمة من أشاع أن الجثث وصلت، ولكن كان رد أحد العاملين بالأكاديمية أن وصول الجثث سيتأخر ساعة ونصفا لأن الأمن في بني سويف أعاد القافلة بعد تحركها ولم يذكر أسبابا لهذا 'علي العموم هم الآن في الطريق ومعهم مصطفي علوي'.خالد اسماعيل كان يقول لنبيل عبدالفتاح: هذه جريمة مقصودة لابد من معاقبة المسئولين عن ارتكابها..قبل وصول الجثث بثلث الساعة دخل مصطفي علوي واجما إلي الأكاديمية ثم دخل إلي حجرة العميد، وحينما علم الموجودون في الخارج أن سيارتي الاسعاف اللتين تحملان الجثث في نطاق القاهرة الآن تدافعوا نحو البوابة المغلقة، وعرفوا أن السيارتين ستذهبان مباشرة إلي مسجد خاتم المرسلين في أول الشارع.أحدهم احتد جدا علي العامل الذي رفض فتح البوابة طالبا من كل هذا العدد الضخم الخروج من فتحة صغيرة ملحقة بها، وتبعه صوت ثان وثالث ورابع، الغضب أثار فزع العامل فبادر إلي فتح البوابة علي مصراعيها.. حينما وصلت السيارتان كان المشهد مهيبا ومؤثرا للغاية، ثمة حزن حقيقي علي الوجوه، أحدهم صاح أن الجنازة صامتة لكن جاوبه كثيرون بالرفض، انقسم الحاضرون إلي صفين متشابكي الأيدي صنعا ممرا لدخول النعوش إلي المسجد، وفي هذه اللحظة حضر فاروق حسني.مصورو الصحف ووكالات الأنباء والفضائيات أخذوا أماكنهم فوق السيارات وأسطح العمارات والمنازل، مع خروج أول نعش محمولا بدأت حالة الانهيار، معظمها لشباب من زملاء فقيدي المعهد. بدا واضحا أن الجثث لهم من صغر وضآلة حجمها، شادي منير، ابراهيم، ثم محمد مصطفي حافظ وأخيرا الجثتين الأكبر، عرف الناس انهما للناقدين حازم شحاتة. ومحسن مصيلحي الاستاذ بالاكاديمية، كان سهلا معرفة ذلك فقد تواترت أنباء عن نقل جثة مدحت أبوبكر وبهائي الميرغني إلي مسقط رأسهما في المنيا بينما دفن أحمد عبدالحميد ونزار سمك في البساتين، والطالب محمد شوقي في المنصورة.. هكذا توزعت المأساة علي محافظات مصر. وبخروج النعوش محمولة من المسجد بعد الصلاة إلي مقابر أسرها أسدل الستار علي جريمة لا يجب أن تمر ببساطة. مصطفي علوي لم يقدم استقالته وتحدث ل'أخبار الأدب' :النيابة هي الفيصل فيما جري تعليقا علي الحادث المؤسف قال مصطفي علوي رئيس هيئة قصور الثقافة ل 'أخبار الأدب' أن أي كلام سيقال الآن هو كلام أولي، ومجرد اجتهادات.وأشار الي أن هناك عرضين أقيما، الأول لفرقة بورسعيد وجري بشكل سليم تماما ولكن الكارثة حدثت مع عرض فرقة الفيوم في القاعة الملحقة بالمسرح، وهي قاعة صغيرة تسع ل (150) فردا، وكان فيها عدد كبير من الشموع والأوراق، والسقف من مادة 'الفوم' شديد الاشتعال بالاضافة الي الموكيت واللوحات الزيتية التي ساعدت علي الاشتعال.وعاد ليؤكد أنه يتحدث وفقا للسماع والأخبار التي يتناقلها البعض وأن النيابة هي الحكم الوحيد في تلك المسألة، وقد بدأت تحقيقها منذ ساعات.أشار أيضا الي أن المخرج أمر بإغلاق القاعة، وحينما اشتعلت النيران وجد الحاضرون بالداخل أنفسهم محاصرين بألسنة اللهب، كان هناك 150 فردا هم أعضاء الفرقة والعاملون بها والجمهور والنقاد..وبسؤاله هل رأي القاعة وهل هو قادر علي تحديد إن كان يعوزها التأمين قال إن هذه النقاط تجيب عليها النيابة فقط.. قلنا له إن المثقفين سيتقدمون ببلاغ الي النائب العام ضدك وضد عدد من المسئولين يحملونكم فيه مسئولية ما حدث.. ما ردك؟! أجاب علوي بهدوء: من حقهم أن يفعلوا ذلك لأننا نعيش في مجتمع حر ومفتوح

اتحاد الكتاب وقصور الثقافة ينعيان الضحايا أصدر اتحاد الكتاب بيانا نعي فيه شهداء الحادث وقرر اقامة حفل تأبين الاسبوع القادم لضحايا هذا الحادث الأليم. كما أصدرت الهيئة العامة لقصور الثقافة بيانا جاء فيه: 'فقدت مصر والهيئة العامة لقصور الثقافة والحياة الثقافية كلها كوكبة من مبدعي المسرح المصري نقادا وفنانين في الحريق الذي شب أثناء العرض المسرحي (من منا حديقة حيوان) الذي تقدمه فرقة نادي مسرح الفيوم في اطار مهرجان نوادي المسرح في دورته الخامسة عشرة المقامة بقصر ثقافة بني سويف. والهيئة اذ تحتسبهم عند الله من الشهداء الذين سقطوا وهم يؤدون واجبهم تدعو الله العلي القدير أن يتغمدهم بواسع رحمته'.

بكل أدب عزت القمحاوي لايمر يوم دون كارثة إنسانية في مكان ما من العالم، نتألم للحظات تطول أو تقصر، علي الحيوات الإنسانية المهدوره، هكذا علي إبهامها دون الدخول إلي تفاصيل كل حالة وما خلف رحيلها من مآس لأحبائها من الأحياء. إنها ضريبة تشابك العالم وترابطه الذي يحمل إلينا أخبار خسارات لا نملك ردها، بل فقط التألم لمن رحل والتأمل للبحث عمن عساه يكون وراء هذه الخسارات. وقد روعتنا الأخبار بتدافع العراق الذي أودي بألف حياة، وأعاصير أمريكا التي يتوقع الخبراء أن يتجاوز ضحاياها العشرين ألفا من البشر، لكن أحدا من هؤلاء ليس حازم شحاتة. موتانا هم الأغلي بدرجة القرب.ليست الخسارة الثقافية ما آلمني شخصيا وهي كبيرة وفادحة، بل الخسارة الشخصية في الأصدقاء، والفزع من الموت الذي أخطأني هذه المرة وقد مد يدا قاسية إلي القفص ذاته، ومن هذا القرب التقط أرواحا كان إصرارها علي الحياة كافيا لكي يجعل طائر الموت يستحي من أصحابها. المسرحيون الذين فقدناهم في بني سويف كتابا كانوا ونقادا وممثلين وفنيين كلهم من سلالة الفنانين النبيلة التي تكافح من أجل ترسيخ المسرح ¢أبو الفنون¢ بميزانيات تافهة في زمن السيرك السياسي. نصفهم علي الأقل كتاب في أخبار الأدب، عرفتهم بهذه الدرجة أو تلك، أما حازم شحاتة، فقد عرفته بعيدا عن الوطن، في رفقة الغربة الغالية كرفقة السجن.الضابط المهندس الشاب الذي اكتشف أنه منذور لضبط ساحة أخري. فقدم عشقه للمسرح علي كل شيء، وترك وظيفته ليواجه الحياة سنوات طويلة دون عمل ثابت، يكتب مقالة هنا أو هناك حتي جاءته فرصة سفر لم يحتملها طويلا.ترافقنا نحو العام من العيش الكثيف في صحيفة واحدة وإقامة واحدة، اطلعت علي أحزانه التي لا يراها العالم، وعرف عني بعض مالم يعرفه إخوتي. نقطع معا شوارع خالية، لقيلولتها صهد جهنم ونؤلف مسرحيات لن يشاهدها أحد. اقترحت عليه ذات يوم مسرحية كان عنوانها جاهزا قبل نصها ¢تعالوا نلعب دولة¢ وكنا في المسافة القصيرة بين الصحيفة والسكن نضيف مشهدا جديدا في النص، وزعنا الحقائب الوزارية علي سكان المسرحية، ولم يتبق سوي شخص واحد كان لابد أن يشتغل مواطنا، فالدولة بحاجة إلي هذه الوظيفة أيضا! وقد عاش المواطن الوحيد في مسرحيتنا حياته العادية محكوما مثاليا ومطيعا إلي حين وصول ضيف للبلاد، وكان لابد أن يصطف هذا المواطن الوحيد ¢علي جانبي الطريق¢ فهكذا يفعل من يحملون هذه الصفة تلقائيا أو يدفعوا دفعا في دول من هذا النوع المخترع للترحيب بضيوف الدولة، وفي حركة المواطن الوحيد بين جانبي الشارع أكلته إحدي سيارات الموكب!المسرحية التي رطبت جولاتنا معا، لم تكتب أبدا، ولم يكن في نيتنا كتابتها أساسا، بعد عودتنا إلي إيقاع القاهرة اللاهث التزم كل منا بأحد جانبي الطريق ، حتي لا تدهمنا السيارات المسرعة. وكنا لا نتقابل إلا نادرا، لكن بالحميمية ذاتها، وكأننا لم نفترق سوي بالأمس. تابعت أظافر حازم تحفر في صخر الكتابة المسرحية والنقد والدراسة الأكاديمية، والترجمة. وكلما رأيت حلما من أحلامه يتحقق فرحت كأنه حلمي. اليوم صارت الدنيا ناقصة دون أحلام حازم شحاتة ودون رفاقه الذين ذهبوا إلي هناك يحملون الفرح إلي جمهور قلما يصادف الفرح في حياته. طارت طيور البهجة دون عودة من فوق أحد أعشاش البوم التي تسمي سخرية منا قصور للثقافة.

وزارة الثقافة ها تروح النار ياسر عبد الحافظ توقعوا هذا التصريح من وزير الثقافة إن لم يكن قد أدلي به بالفعل خلال الأيام التي تفصل بين هذه الكتابة وبين وجودها في السوق¢: طبعا منتهي الإهمال إن المسرح ما يبقاش فيه طفاية حريق، وكمان العامل يقفل الباب ويروح، حادثة رهيبة فقدنا فيها زملاء من أهم أعمدة المسرح، احنا احتسبناهم شهداء الفعل المسرحي، ورغم ان الخسارة رهيبة لكن لازم نتماسك عشان نشوف ها نعمل إيه، ومبدئيا وضعنا خطة عاجلة لمراجعة وتقييم كل قصور الثقافة في القري والمراكز وناوين نحرقها كلها ونبنيها من جديد علي أعلي مستوي بحيث لما مخرج يحب يجرب ويولع في المسرح الناس تلاقي أبواب تهرب منها، لأن اللي حصل مش معناه إننا نهاجم التجريب بالعكس احنا مع التجريب للنهاية¢ماذا بعد أن احترق حتي الموت في قصر ثقافة بني سويف 32 شخصا ما بين ناقد ومؤلف ومخرج وجمهور، من الذي سنحاسبه علي أرواح هؤلاء: مصطفي علوي الذي وضعته السياسة علي رأس مكان لا يعرف من تاريخه أو وظيفته شيئا، هل نحاسب المحافظ الذي بشر في المؤتمر الصحفي يوم الافتتاح بأنه قد تلقي عرضا من شركة استثمارية لبناء مول يضم مسرحا وسينما، ثم مضي يحوطه الحرس تاركا المسرحيين المساكين لقدرهم الأسود الذي ينتظرهم!هل نتجرأ ونطالب بمحاسبة وزير الثقافة الذي يبدو وكأنه لا توجد قوة قادرة علي الاقتراب منه، علي سؤاله عما يفعل، يتم نهب الآثار بهدوء وروية، تنهار وتحترق ولا أحد يعترض بل يتم قبول حججه كلها: سنستعيد الآثار المسروقة ونرمم المنهار ونبني المحترقة ولن يوقف المسيرة الثقافية التي بدأناها أربعة أو خمسة لا يفعلون سوي الاعتراض.فما الذي سيفعله الوزير اليوم في الناس التي احترقت؟!الغريب أن سياسة وزارة الثقافة كانت قائمة وطوال عهده الملئ بالكوارث علي فكرة الأبنية الفاخرة، كان هناك ومازال انشغال دائم بالمبني وليس ما يتم تقديمه داخله، لكن حتي ذلك لم يتم بناء علي أسس ثقافية محترمة، فلم يكن الهدف من وراء هذا سوي فعل الافتتاح، لا يمر يوم وإلا وتقرأ خبرا مفاده أن وزير الثقافة قد افتتح أو بأنه جاري العمل علي افتتاح كذا، وكلها طبعا مشروعات ضخمة كافية للرد علي حجج المعترضين التي لا تهدف سوي لتعطيل حركة البناء العظيمة تلك.لم تنتبه وزارة الثقافة وسط مشاريعها الكبري بالقصور الفقيرة في المحافظات، ربما لم تسمح الميزانية بعد كل هذا بطفاية حريق أو حتي بجردل ميه يمنع تلك النار المشتعلة في أجساد ناس ماتوا حبا في المسرح.غالبا سيقول بعض من خصصوا حياتهم وأفكارهم للدفاع عن الوزير وسياسته أننا نستغل الحادث،وأن الوقت الآن هو وقت الحزن النبيل، أو أن الحوادث تحدث في كل مكان في العالم وهذا قضاء الله، أو أن الخطأ كله خطأ العامل الذي أغلق الباب وراح ليشرب كوب شاي، أو......غالبا ستنجو وزارة الثقافة من تلك الكارثة حتي تحدث كارثة أخري.لكن غالبا­إن شاء الله­ وزارة الثقافة هاتروح النار هي ومشروعاتها الكبري