الأحد، سبتمبر 18، 2005

محرقة بني سويف تكشف غول الإهمال

الشموع بريئة والنار أتت من سقف الغرفة

وزير الصحة وصل بعد ساعتين ووزير الثقافة ورئيس الهيئة وصلا في اليوم الثاني الأمن منع جنازة الأكاديمية خوفا من تحولها إلي مظاهرة

محمد شبانة - الموقف العربي مازال طعم الحريق في فم الجميع، ومازالت تفاصيل المحرقة المروعة التي التهمت أجساد المبدعين والبسطاء في بني سويف تطرح السؤال الحارق: من الذي دبر هذا كله؟! وأي يد آثمة أشعلت الحريق الذي دمر منبرا ثقافيا نحن أحوج إليه، وأودي بحياة كوكبه من المبدعين الواعدين والبارزين؟! إن ما حدث كارثة تشبه المؤامرة.. بل انها مؤامرة مكتملة الجوانب والخيوط ولابد للتصدي لها وبحزم لأن الكيل قد فاض من تكرار هذه الكوارث المأساوية التي تثبت كل يوم أن تحالف الفساد والجهل والإهمال.. يتآمر علي الوطن والمواطنين بإصرار عنيد!!

فكارثة مسرح بني سويف التي يقف وراءها تحول الإهمال الفادح، ولعبت الأولي من نوعها فقبلها كوارث حريق قطار الصعيد، وحرائق مسرح الجمهورية ومحمد فريد، وطلبهما طريق الأوبرا القديمة هذه الكوارث كلها تؤكد أن هذه الحكومة لا تستفيد من أخطائها، وأنها لا تدير أي شيء علي الإطلاق، فلقد انطلقت يد الفساد والإهمال تعبث في كل شيء، ولا تظن آثارها الا عندما تقع الكارثة. كان لابد من هذه المقدمة الطويلة قبل الدخول إلي ما حدث في بني سويف الحزينة.. لأن التصريح الرسمي الذي أطلقه وزير الثقافة بعد الحريق مباشرة، واتهامه للشموع التي استخدمت في العرض كسبب مباشر في الحريق لا تقنع طفلا، بل انه تصريح ساذج يحاول أن يغطي علي الكارثة الكبري فضلا عن مخالفته لأبسط القواعد الإدارية والقانونية، فلابد أن يتريث المسئول الحقيقي حتي تكشف لجان التحقيق والنيابة العامة عن الأسباب بعد دراسة الأمر، خاصة وأن هذا التصريح المجاني ما لبث أن انهار أمام ما ذكره شهود العيان من الناجين..

فالنار كما أكد الجميع جاءت من سقف المسرح، لا من مقدمته، ووصف أحد الناجين الأمر بقوله: لقد شاهدنا شعله لهب مشتعلة عبرت السقف كشهب مشتعل وبعدما بدأت تلتهم النيران جدران المسرح بسرعة جنونية أعقبتها انفجارات المكيفات التي حولت المسرح إلي كتلة من اللهب. الأقرب من ذلك أن قصر ثقافة بني سويف الذي صرف علي تجديده الملايين ليس به (طفاية حريق واحدة) بل ان إدارة الدفاع المدني بالمحافظة لم تكلف خاطرها بإرسال أي سيارة اطفاء لتقف بجوار القصر، رغم ابلاغ إدارة القصر لها بموعد المهرجان، وتعد أكد أحد العاملين بالقصر للموقف العربي ان القصر قال تماما من أي جهاز إنذار ضد الحريق. كما لا يوجد أحد من العاملين في القصر تم تدريبه علي التصدي لمثل هذه الحالات الطارئة.. وان المكيفات التي انفجرت لم تحدث لها أي صيانة قبل بداية المهرجان. المفاجأة ان القاعة التي شهدت المأساة غير معدة بالأساس لأن تكون مسرحا، فهي قاعة فنون تشكيلية تم تحويلها وبسرعة، لأن تكون مسرحا، وليس بها إلا باب واحد صغير احترق وتسبب في مضاعفة عدد الضحايا لان اغلب من تفحموا في الداخل قضوا نحبهم من التدافع والاختناق ثم احترقت جثثهم بعد ذلك. اللافت للنظر في الأمر كله أن المطافي لم تصل إلي موقع الحادث إلا بعد مرور ساعة كاملة.. كما ثبت ان مطافئ المحافظة لم تكن قادرة علي السيطرة علي الحريق بدليل استقدام عربات «أحدث» من القاهرة والجيزة.

ورغم وصول وزير الصحة إلي الموقع بعد أقل من ساعتين من وقوع الكارثة، إلا أن أوامره بنقل العدد الأكبر من المصابين إلي مستشفيات الجيزة والقاهرة يؤكد ان «مستشفي بني سويف» كان غير قادر علي استقبال هذا العدد، وانه غير مجهز لعلاج الحالات الخطرة، وهو أمر يدفعنا دفعا للتساؤل لماذا لا نكتشف القصور إلا وقت وقوع الكوارث. «الموقف العربي» دخلت المستشفي الذي استقرت فيه عشر حالات معظمها جروحه خطيرة.. فاكتشفنا أن المبني اللامع من الخارج الواقع علي الكورنيش، يعيش حالة مأساوية من الداخل فالحشرات في كل مكان، وأعقاب السجائر تملأ الطرقات.. ولا يوجد أي طبيب في قاعات المرضي. احدي السيدات قالت بغضب «أنا عمة المصاب علاء المصري، منذ أن أتي الوزراء والمسئولون صباحا لم يمد أحد يد المساعدة لهؤلاء المصابين فلا يوجد طبيب واحد وهذا لا يرضي أحدا، كيف يتركون المصابين بهذا الوضع؟».

محمد عبدالمحسن عبدالحليم من شطا عاصم مركز بني سويف يقول: «أنا قريب المصاب ناصر حسني جودة وهو ابن بنت عمتي. سمعت أن سبب الحادث هو شمعة حسبما يقولون». أمير أحمد بهجت أحد المتطوعين لمساعدة المصابين وهو مصري مقيم بفرنسا يقول: «سمعت بهذا الخبر المفزع وأنا في عزبة الكرملاوي بمركز إهناسيا بمحافظة بني سويف في صلاة الفجر. تجاوبت مع الحادث بعد أن علمت بعدد المتوفين والمصابين، لا أستطيع أن أقول إنني أقوم بجهود كبيرة ولكنني أتعاون مع هؤلاء لأنهم أهلنا ولحمنا المصري». داليا عبدالله من بني سويف تقول: «جئت لزيارة زميلي المصاب ولقد كنت متواجدة في مكان الحادث، فقد علمنا بوجود عرض مسرحي لفرقة الفيوم وهذه الفرقة كان الديكور الخاص بها صعبا جدا وكان يوجد شموع وأوراق وأغلق الباب الخارجي وحاولنا الدخول فقيل لنا المكان مكتظ ولا يوجد لنا موضع ولم تكد تمر دقيقة حتي اندلعت النار ففوجئنا بها تقترب باتجاهنا ويقال إن غاز الفريون هو الذي أدي إلي اشتعال النار بهذا الشكل الهائل.

محمد إسماعيل من بني سويف يقول: «أنا ممثل مسرحي شاركت بعدة أعمال مع زملائي الذين توفوا وأصيبوا ومن زملائي المصابين حسن أبوالنصر ومحمد عرفة وعلاء المصري وبعض الأطفال. لم أكن متواجدا وقت الحادث، ولكن سمعت أن اسطوانة الفريون الخاصة بجهاز التكييف قد انفجرت مما أدي إلي هذا الحادث».

د. خالد قطب وكيل مستشفي بني سويف العام يقول: «هذا الحادث وقع في الساعة العاشرة والنصف مساء، وكنا متواجدين هنا وقت وقوع الحادث فاستقبلنا 37 مصابا وحوالي 29 جثة. كان هنا ما لا يقل عن 40 طبيبا و65 ممرضة وتم استدعاء كل الأطباء من التخصصات المختلفة وبذلنا كل ما في وسعنا. تم اعطاء العلاج اللازم وهذا توفيق من الله».

وردا علي سؤال عن عدم وجود أطباء مع المرضي كما قالت احدي السيدات، قال: «يمكنك ان تسأل الناس في الشارع ووكالات الأنباء المحلية والعالمية عن المجهود الذي بذلناه فنحن لم ننم حتي الآن، وعامة هل يعقل أن يظل الطبيب ملاصقا للمريض؟ أولا: الزيارة ممنوعة الحروق جرح مفتوح ولها نظام في العلاج، كل مرحلة لها نظام والموضوع ليس موضوع مجاملات او موضوع عاطفي. أنا أمنع عن المحروق شرب الماء وقد يكون يتألم ويصرخ لأنه يطلب شربة ماء ولكننا نمنعها عنه لأن هذا في مصلحته. نحن نسير وفق معايير خاصة بعلاج الحروق يضعها الاطباء الأخصائيون والاستشاريون المتواجدون هنا بالمستشفي فمن الصعب أن أقول إن الطبيب لابد أن يكون متواجدا مع المريض طوال الوقت، المريض عليه الآن تنفيذ العلاج». وردا علي سؤال عن سبب عدم نظافة المكان قال: «صعب ان تحكم علينا طوال الوقت ثم لماذا تحملنا السبب ولا تحمل سلوك الناس؟ لوجئت وقت الزيارة ورأيت كيف يتعامل أهل المحروق معه لن تسألني.

أهل المحروق يأتون اليه ومعهم طعام من خضروات ولحوم ولولا مساندة رجال الأمن لنا لكانت الأمور تختلف. يجب أن تراعي أننا نتعامل مع الناس وهم في حالة ثورة، فلا تحاسبني علي المستشفي وفيها إفراط في الزيارة وهذه قضية رأي عام وصعب جدا أن نمنع الناس من زيارة أقاربهم المصابين، فأنت تحاسبني عندما تكون الزيارة مقننة». وأردف قائلا: «يجب أن يلتمس الجميع للمستشفي العذر أنه يعمل 24 ساعة، فهذه ثاني كارثة حريقة تواجهنا تعجز عنها مراكز طبية متخصصة في مصر، فقد استقبلنا في حادث سمسطة 67 محروقا رفض أي مستشفي في القاهرة استقبالهم وهذا الكلام وارد في السجلات والمسئولون كلهم يعرفون ذلك. المريض في الوقت الحالي أحوج للعلاج والمحاليل والمضادات الحيوية وللطبيب المعالج». وردا علي سؤال عن أعداد المصابين وحالتهم الصحية قال: «المصابون عددهم وقت دخول المستشفي كان 37 مصابا- السيد وزير الصحة أرسل فريقا طبيا متكاملا- وهذا ليس عدم ثقة بالمستشفي هنا، وقد صرح بذلك- اختار هذا الفريق الحالات وقاموا بتحويلها واختاروا مستشفيات معينة وطبعا هذه الحالات التي خرجت منها حالات خرجت خروج تحسن- تقريبا حالتين- وكان عندنا اليوم حتي الساعة الواحدة ظهرا 14 حالة تم تحويل 4 منهم وباق عندنا 10 حالات، وكل الجثث التي كانت في المشرحة تم اخذها بواسطة أهلها».

وردا علي سؤال عن الحالات العشرة وهل تجاوزت مرحلة الخطر قال: «بعضهم مازال في مرحلة الخطر ولا شك انها كارثة، حتي الحالات التي كانت مصابة فيهم حالات كانت اصابتها 90%، وعدد الـ 37 المصابين في البداية كان أكثر من 16 حالة منهم اصابتهم فوق 60%، وهذا يعتبر مرحلة خطر بالنسبة للمصاب». وأمام المستشفي قابلنا أحد الشباب واسمه عمر شهريار محمود من بني سويف الذي قال: «جئت هنا لزيارة أصدقائي من المبدعين وهم الشاعر حسن أبوالنصر والقاص محمد ممدوح والناقد د. عزت سعد، وكما سمعت فالحادث نتج عن تسرب غاز الفريون من جهاز التكييف».

د. محمد أنس جعفر محافظ بني سويف قال: «نبذل أقصي الجهود لمواجهة آثار الحادث. فمعظم الجثث تم التعرف عليها باستخدام تحليل DNA ونتابع حالة المصابين وقد أجرينا اتصالاتنا مع الوزراء والمسئولين لتذليل أية عقبات سواء لأهل المتوفين أو المصابين». اللواء أحمد عبدالعال سكرتير عام المحافظة قال: «الحريق شب بقاعة عرض صغيرة بالدور الأرضي خلف قاعة المسرح الرئيسي لقصر الثقافة حيث كان يجري عمل عرض فني لفرقة مسرح الفيوم ضمن فعاليات مهرجان نوادي المسرح الخامس عشر وأثناء العرض الفني الذي استخدم فيه ديكورات من الأوراق والكرتون وقطع الخشب لعمل مجسمات ديكورية ومجموعة كبيرة من الشموع. سقطت بعض الشموع علي المجسمات الورقية فاشتعلت النيران بشدة وامتدت لتشمل جميع أجزاء القاعة المغلفة بأعمال الديكور الورقية فشب هذا الحريق الهائل».

وبعيدا عن التصريحات الرسمية التي أثبتناها لحرصنا علي- الأمانة المهنية- إلا أن أغلب شهود العيان أكدوا أن الكارثة ما كانت لتحدث أساسا لو كان هناك تنظيم حقيقي للمهرجان، فبغرض أن الشموع هي السبب، لماذا لم تتدخل إدارة المهرجان بحزم ليستخدم المخرج (تكنولوجيا بديلة) تعطي نفس التأثير، وتكون غير خطرة علي حياة الناس، هذه الحقيقة بالذات يعلق عليها محمود السيد من فناني المسرح الأقاليم بقوله: «كيف يطالبون المخرج بتكنولوجيا مختلفة وآمنة، وهم لم يعتمدوا لكل عرض مسرحي سوي 1500 جنيه للملابس والديكور والانتقالات، والاضاءة، ان الشموع «الالكترونية» التي يتحدثون عنها ثمنها وحدها أكثر من ألف جنيه، انهم يحاولون إلقاء مسئولية إهمالهم وتقصيرهم علي المخرج ليخرجوا هم من القضية تماما».

وأكد جمال بكري «مخرج»أن جميع قاعات العرض في أقاليم مصر معرضة لنفس ما حدث في بني سويف، فهي أماكن غير مجهزة، وغير آمنة، ونحن نغزل «برجل حمار» القاعات الفاخرة، والامكانيات التكنولوجية التي يتحدثون عنها موجودة فقط في القاهرة.. والأقاليم محرومة من أي شيء والدليل- علي حد تعبير جمال بكري- أن السيد رئيس هيئة قصور الثقافة لم يأت إلا في اليوم التالي وبعد أن مات الناس والمبدعون، لو كانوا يصفون الأقاليم في أولوياتهم لجاء السيد المسئول بعد الحادث مباشرة، كما فعل وزير الصحة، ويقول بانفعال «حتي وزير الثقافة لم يأت إلا في اليوم التالي» هذا معناه انهم لا يهتمون بنا، ولا تحركهم أي مأساة تتعرض لها، الوحيد الذي جاء من وزارة الثقافة هو المخرج أشرف زكي ولكنه بصفته عضو نقابة الممثلين، ولم يكن ممثلا لوزارة الثقافة». القضية شائكة ومحزنة ومروعة وتحتاج إلي وقفة حازمة، ولابد من إجراء تحقيق دقيق لمعرفة المجرم الحقيقي الذي تسبب في هذه الكارثة التي يؤكد الجميع أنها من الممكن أن تتكرر في جميع أقاليم مصر، فالإهمال هو النار التي أحرقت الأبرياء والشهداء في هذا الحادث الأليم الذي تعاملت معه الإدارة الرسمية باستخفاف لا يليق بجلال الحدث، فغياب مسئولي وزارة الثقافة عن مكان الحادث فور وقوعه أدي إلي استياء جموع المثقفين الذين هاجموا السيد رئيس هيئة قصور الثقافة في الجنازة التي نظمتها أكاديمية الفنون وحملوه وجها لوجه مسئولية ما حدث بل طالبوه بتقديم استقالته فورا وهوالأمر الذي تطور إلي مشادة كلامية بين الشاعر أحمد فؤاد نجم وبينه في حضور جميع قيادات وزارة الثقافة، كذلك شعر جميع المشاركين في الجنازة بغضب شديد عندما منع الأمن سير الجنازة من الأكاديمية إلي المسجد كما كان مرتبا من قبل القيادات الثقافية بعد أن وردت تعليمات مشددة لرجال الأمن بإلغاء الجنازة والاكتفاء بصلاة الجنازة فقط. الأمر تطور نتيجة الشعور بالغضب الشديد في الحركة الثقافية إلي تقديم بلاغ إلي النائب العام يوم الخميس الماضي.. ضد وزيري الثقافة والداخلية لمسئوليتهما في الاخطاء التي ادت لكارثة بني سويف فلقد تقدم حوالي 40 فنانا ببلاغ للنائب العام علي رأسهم يوسف شاهين وصنع الله إبراهيم وأحمد فؤاد نجم وأعضاء حركة فنانون من أجل التغيير، ضد وزيري الثقافة والداخلية لمسئوليته الوزارتين للسماح بإقامة مهرجان فني في مسرح غير مطابق للمواصفات الفنية والقانونية الخاصة بالمسارح، وغير المؤمن من قبل الأمن والدفاع المدني.. فهل يقتص النائب العام من التسيب ويثأر لأبناء الوطن؟. ويبقي السؤال المحير: هل تفيق الحكومة، وتبدأ ولو لمرة واحدة في إيقاف غول الإهمال المدمر ومواجهته حتي نشعر بالأمان.. ويشعر الناس بالمواطنة الحقيقية؟! نتمني

http://www.elmawkefalarabi.com/shownews.asp?ArchiveDegree=0&NewsID=4173