الأحد، نوفمبر 27، 2005

ادانة وزراء الثقافة والصحة والداخلية

ادانة وزراء الثقافة والصحة والداخلية وثلاثة بيانات ترفض المعالجة المشوهة للمحرقة تقرير تقصي الحقائق عن مسرحة بني سويف يكشف تقصيرا واسعا

القاهرة ـ القدس العربي ـ من محمود قرني: 2005/11/25

صدر مؤخرا تقرير تقصي الحقائق عن محرقة مسرح قصر ثقافة بني سويف وكانت جماعة 5 ايلول (سبتمبر) التي يشكل قوامها عدد من المسرحيين قد قامت علي إعداد التقرير عن المحرقة وأسبابها.والجماعة التي أخذت اسمها من اليوم الذي وقع فيه الحادث تواصل عملها في محاولة يائسة لتحسين أوضاع المسرحيين لا سيما فرق الهواة والمسرح الحر والعاملين من المسرحيين مع هيئة قصور الثقافة والبيت الفني للمسرح، وغيرهما من الهيئات الثقافية

وكان الحادث قد أودي بحياة حوالي اثنين وخمسين فنانا وناقدا وكاتبا عندما كانوا يواصلون عملهم في عروض إحدي الدورات المسرحية الإقليمية. وقد أدت الأصداء الواسعة للحادث إلي سجال كبير وصل إلي التلاسن بين وزير الثقافة فاروق حسني وعدد من المثقفين لا سيما نشطاء حركة أدباء وفنانون من اجل التغيير . وانتهت زوبعة الحادث نسبيا بعد إقالة الوزير لرئيس هيئة قصور الثقافة مصطفي علوي وتعيين الدكتور احمد نوار خلفا له. غير أن الأيام القليلة التي أعقبت الحادث شهدت إغلاقات لكل القاعات المسرحية التابعة للهيئة ووقف النشاط المسرحي كله

وقد تواصلت ردود الفعل الواسعة علي التقرير حيث طالب اتحاد الصحفيين ببريطانيا وإيرلندا بفتح تحقيقات جدية في المحرقة وذكر بيان صادر عن الاتحاد بضرورة إعلان الحقيقة علي الرأي العام المحلي والدولي وأشار البيان إلي أن كل صحفي في بريطانيا هزه ما جري علي المسرح وتمثل الصور التي بثت عن الحادث أن الفنان المصري مهمل ولا يلقي أي اهتمام من قبل الجهات المسؤولة خاصة من ينتمي للتيارات الجادة. وفي الداخل استنكر بيان صادر عن حركة أطباء من اجل التغيير الحادث وما نتج عنه وكذلك صدرت عدة بيانات مماثلة عن حركة 5 سبتمبر وأدباء وفنانون من اجل التغيير وصحافيون من أجل التغيير ونستعرض هنا أهم ما ورد في هذه البيانات حول الحادث في بيان صحافيون من اجل التغيير أشارت الحركة إلي أنه ما زالت حركة صحافيون من أجل التغيير تندد بالفساد الذي ساد حياتنا الثقافية وأدي إلي العديد من الكوارث الهائلة التي تمثلت أخيرا ـ وليس آخراً ـ في المحرقة التي وقعت في يوم الاثنين الأسود في الخامس من ايلول (سبتمبر) الماضي، حيث أحرقت النيران التي اندلعت في القاعة الصغيرة المكتظة بـ 150 من النقاد والعاملين والجمهور أكثر من ثمانين شخصا استشهد من بينهم خمسون مواطنا من خيرة أبناء مصر من النقاد والأكاديميين وفناني المسرح والصحافيين

وأضاف البيان أن هذه الجريمة الشنعاء هي صورة من صور الفساد الذي آلت الحركة علي نفسها أن تجابهه في كل مكان حيث نجمت عن نقص هائل في الإمكانيات والأدوات ووسائل الأمان بينما يتم إنفاق الملايين في مهرجانات وبرامج مظهرية فاشلة.وجدد البيان طلب الحركة بمحاكمة كل المسؤولين عن هذه المحرقة البشعة ابتداء من وزراء الثقافة والصحة والداخلية ومرورا بمختلف العاملين الذين قصروا في أداء واجباتهم المنوطة بهم مما أسفر عن هذه الحادثة الفادحة، واستنكر أيضا محاولة بعض المثقفين إبعاد فاروق حسني عن مسؤولية الانهيار الثقافي الذي نعيشه في مجالات مختلفة وفي مقدمتها المسرح بصفة عامة ومسرح الثقافة الجماهيرية بصفة خاصة.وعبر البيان عن استياء الحركة البالغ من إصرار السلطة علي الإبقاء علي هذا الوزير رغم كل السلبيات التي شابت أداءه طوال السنوات الماضية.وناشدت الحركة الصحافيين تحويل نيران الحزن والغضب المتأججة في أعماقهم منذ حريق بني سويف الرهيب إلي نور يشع من الأقلام الحرة علي الصفحات المطبوعة لفضح كل صور القصور والتردي في الواقع الثقافي المصري المعاصر وخصوصا ممارسة بعض القيادات الصحافية لرقابة بغيضة ودعاية فجة في خدمة المسؤولين عن هذه الفاجعة

أما الكاتب بهاء طاهر فقد تولي صياغة بيان صدر عن حركة أدباء وفنانون من اجل التغيير . حيث أشار الي أننا لا يجب علينا الجلوس فقط للتأبين أو العزاء وإن كان الشهداء جديرين بأمسيات كثيرة للتأبين، وأشار إلي ضرورة أن يتعاهد كل الشرفاء من أبناء الوطن علي عدم نسيان الشهداء وعلي أن تستمر الحركة في مطالبتها إلي أن يلقي كل مذنب في هذه الجريمة جزاءه العادل مهما كان سلطانه ومنصبه وأضاف قائلا: المسؤولون يعولون علي اننا سننسي كما نسينا وأُنسينا جرائم كثيرة كهول كارثة قطار الصعيد وعلي أننا سننساق وراء تحقيقات لا نهاية لها مثل التحقيقات في جريمة الاعتداء علي أعراض الصحفيات، وكما يراد لنا الآن أن ننسي مهانة هروب أو تهريب القاتل القطري للمواطنين المصريين وعشرات الجرائم الأخري

ونقل بهاء طاهر جانبا من تقرير تقصي الحقائق الذي قدمته حركة 5 سبتمبر المعتمد علي شهادات الشهود من زملاء الشهداء وأضاف أن كل سطر من سطور هذه الشهادات فيه ما يدين كل المسؤولين عن هذه المحرقة.فيتحدث التقرير عن سقف المسرح المصنوع من مادة الفوم سريعة الاشتعال التي تحولت بسرعة البرق إلي نيران سائلة تصهر المحاصرين داخل القاعة المغلقة بطبيعتها، ويكشف التقرير أنه كانت هناك في إحدي غرف القصر المغلقة بالمفتاح ست طفايات للحريق أشار إليها احد موظفي القصر قبل أن يهرب فكسر الشاهد الباب وأخرج الطفايات لكنه وجد نفسه مضطرا لاستخدامها في إطفاء المصابين الخارجين من المسرح في حالة مفزعة، إذ يتساقط جلد الوجه محترقا وتذوب الملابس داخل الجلد فيشتعل الألم ويحاول الكل ـ حتي الفتيات ـ خلع هذه الملابس، فلا تكفي الطفايات لمجرد إنقاذ الهاربين من جحيم صالة العرض، وعندما يجد بعضهم القدرة علي الجري إلي مستشفي خاص يقع أمام باب قصر الثقافة يغلق المستشفي بابه الحديدي بالقفل أمام المحترقين ويرفض إسعافهم بأي شكل، وعندما تصل أول عربة إطفاء بعد أربعين دقيقة من إبلاغ المطافئ التي تقع علي بعد 5 دقائق من القصر المشتعل، عندها تصل عربة إسعاف وحيدة بدون طبيب أو أي تجهيزات..

ويضيف بهاء طاهر نقلا عن التقرير: في تلك الأثناء استطاع بعض المصابين الوصول سيرا علي أقدامهم أو نقلهم البعض إلي مستشفي بني سويف العام بينما تلتصق بأجسادهم ثيابهم الملتهبة، فيتركونهم نصف ساعة في قسم الاستقبال دون أدني إسعاف او مساعدة ثم يشار إليهم بالصعود إلي الطابق الثالث علي أقدامهم لأن المصعد معطل كما قيل لهم، فيصعد بعضهم السلم علي أربع لاحتراق سيقانهم وأقدامهم وعدم وجود مرافق لمساعدتهم. وفي الدور الثالث أدخلوا كل المصابين إلي غرفة وكل المصابات إلي غرفة أخري وتركوهم نصف ساعة أخري دون أي علاج أو توجيه ممددين علي أسرة في غاية القذارة ووسط رائحة نتنة تفوح من كل مكان حولهم. ويتشارك اثنان من المصابين في سرير واحد لعدم كفاية الأسرة كما قيل

ويضيف طاهر: أخذت حالة المصابين الذين ما زالوا يرتدون الملابس المحترقة في التدهور وأخذ بعضهم في الصراخ وانتابت آخرين حالة من الهستيريا. طلب بعضهم شربة ماء فوافق الطبيب ولكن المرافقين لم يجدوا ماء ولا كوبا واضطر أحدهم إلي غسل كيس من أكياس المحاليل الفارغة وملأه بالماء من صنبور دورة المياه. وبدأ بعد جدل طويل علاج المصابين بنوع من المراهم لم تكن كمياته تكفي، فكانوا يدهنون ذراع أحد المصابين مثلا ويتركون ذراعه الأخري وهكذا.و يضيف بهاء طاهر في البيان: فلنتذكر هذه الوقائع المخزية، وهي مجرد لمحة من معاناة الضحايا في هذا المستشفي لأن الصورة ستتغير تماما بعد ساعتين، حيث سُمح بإعطاء المصابين حقنا مخدرة فغرق معظمهم في النعاس، وبدأ نقل المصابين إلي غرف أخري وطوابق أخري، وبدا العمال يغسلون أرضية المستشفي بالماء والصابون وظهرت مفارش وأغطية جديدة للأسرة

ولكن فلننتبه لما يلي: بالنسبة للمصابين الذين لم تكن حالتهم تسمح بنقلهم فقد تم تلبيس السرير بالكامل بمفرش مربع نظيف حتي يداري المصاب نفسه بداخله وهذا كان أحد الأسباب التي ساهمت في قتل العديد من هؤلاء المصابين. ثم بدأت في الظهور كراتين الدواء يحملها عمال المستشفي ـ وقد تتبعهم أحد المرافقين فوجد أن مصدر الأدوية هو مخازن المستشفي نفسه، ومن هذه المخازن أيضا خرجت أطقم لشرب الشاي وزجاجات مياه معدنية وأكواب نظيفة ـ ويشير بهاء هنا قائلا ـ فلنتذكر كيس المحلل والماء من دورة المياه ولنتذكر أسباب ذلك الانقلاب فقد وصلت الأنباء بأن وزير الصحة قادم وبصحبته السيد الوزير محافظ بني سويف.و هنا يقول طاهر: إن ذلك النوع من التمويه والخداع الإجرامي بالمظاهر لا يقل في بشاعته عن بشاعة التسيب الذي كاد يصل إلي مرحلة القتل العمد، لكن ذلك لم يكن هو رأي وزير الصحة، فعندما يتحدث الشاهد أحمد خليفة للمحافظ عما عاناه المصابون في المستشفي وعن تدهور الخدمة فيه نهره وزير الصحة وأصر علي أن كل شيء جاهز بالمستشفي وأنه يستطيع أن يبرهن علي ذلك

وأبعد مرافقو الوزير الشاهد وكادوا يتعاملون معه بعنف لولا أنه انسحب من تلقاء نفسه.ويضيف بهاء طاهر: إن ذلك لم يكن موقف وزير الصحة وحده، فقد سمعت بنفسي محافظ بني سويف يتحدث في التليفزيون في ليلة الحريق ذاتها، يصف سرعة وكفاءة أجهزة المحافظة في تعاملها مع النكبة، وكيف تحركت المطافئ والإسعاف فورا لإنقاذ المصابين! أولئك المصابون الذين لم ينقذهم أحد وتركوا للموت والهلاك قبل أن يتحرك أي جهاز. ويضيف طاهر إن محافظ بني سويف لم يفته أن يلوم الضحايا إذ قال متهكما إن سبب المشكلة أن الباشا المخرج ـ وهو أحد الشهداء ـ استخدم الشموع في العرض مما سبب الكارثة وهذا هو الخيط الذي التقطه وزير الثقافة ومن بعده الإعلان الرسمي لتحويل الضحايا إلي جناة.وطالب بهاء طاهر باسم حركة أدباء وفنانون بالتحقيق في الخلل في توزيع موارد وزارة الثقافة المتمثل في إسراف الإنفاق علي أنشطة مظهرية مثل المسرح التجريبي وغيره من المهرجانات والتقتير في الإنفاق الضروري أو الحد الأدني من الإنفاق علي أنشطة قصور الثقافة التي تخدم الملايين ويجاهد في العمل فيها مئات أو آلاف من الفنانين لا يحصلون علي الكفاف، وطالب طاهر بألا يمتد هذا الخلل علي النحو الذي تنذر به وزارة الثقافة من وقف الأنشطة المسرحية في القصور إلي أجل غير مسمي، فالحل ـ كما يقول ـ ليس هو إيقاف الأنشطة بل التعجيل بإصلاح القصور الذي تأخر عقودا من السنين

كما طالب طاهر بالتحقيق مع وزير الصحة في وقائع الإهمال الجسيم والتنكر لكل قواعد وآداب مهنة الطب في معاملة المصابين وكذلك تعويض أسر الشهداء تعويضا عادلا وكذلك تحميل وزير الداخلية ومحافظ بني سويف المسؤولية الكاملة عن التأخر في إسعاف المصابين، بالإضافة إلي الاستمرار في الجانب القانوني المطالب بمحاكمة كافة المسؤولين عن المحرقة وعلي رأسهم وزير الثقافة. أما حركة 5 سبتمبر فقد أصدرت بيانا مواكبا للتقرير قالت فيه: بعد مرور شهر ونصف علي الكارثة ما زال تعنت النظام الحاكم مستمرا، وما زال رفض مطالبنا مستمرا، ما زال الموت يقطف زهرة شبابنا الفنانين المصريين في مستشفيات وزارتي الصحة والدفاع. وألحت الحركة علي مطالبها الأساسية المتعلقة بمحاكمة الوزراء المعنيين بالكارثة وهم وزراء الداخلية والصحة والثقافة ومحافظ بني سويف واعتبار الضحايا شهداء حرب، ورصد البيان إلصاق النيابة العامة التهمة لصغار الموظفين، وعدم اهتمامها بسماع شهادة الشهود، وكذلك عدم إعلان التقارير الطبية المفصلة عن حالة كل المصابين، وإعادة فتح المسارح التي تم إغلاقها

الجمعة، نوفمبر 25، 2005

آخر ضحايا محرقة بني سويف

توفيت اليوم، 24 نوفمبر 2005 أسماء محمد السيد عبد الحميد،

آخر ضحايا محرقة بني سويف وكانت آخر المصابين من محافظة الفيوم التي وصل عدد الشهداء منها في الحادث بعد الفقيدة 29 شهيدا وظلت تعالج منذ اصابتها في 5 سبتمبر في مستشفيات الدولة، آخرها مستشفي الحلمية العسكري بحلمية الزيتون. كانت طالبة بالمعهد العالي للأكاديمية الطبية بسقارة

وترددت أخبار - كالعادة لا يمكن التيقن من صحتها لعدم وجود تقارير طبية رسمية أو تصريحات أو إهتمام من أي نوع من قبل وزارة الصحة بعرض التفاصيل علي الرأي العام - ترجع سبب وفاتها لأدوية مخدرة كانت تأحذها كعلاج أضرت بجهازها العصبي والمخ. آخر ضحايا مستشفيات وزارة الصحة. لم يتبقي من المصابين إلا تسعة، بعد وفاة 13 آخرين في مستشفيات الوزارة.

الأحد، نوفمبر 13، 2005

محرقة بني سويف كشفت المثقف المصري

فلا هو ضمير الأمة ولا هو عميل السلطة هولوكوست مصري.. انكشفت الثقافة المصرية واحترقت داخل الحجرة

جريدة السفير - « محمد الحمامصي » - 2005/11/9

لا تزال محرقة بني سويف تلقي بظلالها على الحركة الثقافية في مصر وعلى قطاعات وزارة الثقافة المصرية وأنشطة الهيئة العامة لقصور الثقافة بشكل خاص، حيث توقفت مجمل أنشطتها وما أقيم خلال شهر رمضان عانى من آثار هذه المحرقة التي وقعت في قصر ثقافة الفيوم وراح ضحيتها خمسون ناقداً ومسرحياً وصحافياً، فأهالي الضحايا وما إن هدأت الأمور بعض الشيء فوجئوا بإهمال الحكومة لحقوقهم المادية والمعنوية، حتى الحفلات التي أقيمت لمصلحتهم وتبرعات رجال الأعمال وغيرهم والتي يقال إنها بلغت 20 مليون جنيه، لم يستفيدوا بها ولم تصل لهم، والأخطر من ذلك ما أشار إليه العاملون والمتابعون لحركة أنشطة قصور الثقافة من أن هناك إحجاما وتحذيرا من قبل الجمهور الذي اعتاد على الإقبال عليها لأبنائهم وذويهم من التوجهإلى هذه القصور لحضور فعالياتها، فالمخاوف من تكرار الحادث تتصاعد يوماً بعد الآخر مع تزايد فقدان الثقة في الإصلاح والتغيير. وقد وقع الحريق الذي شب بمسرح قصر الثقافة التابع لوزارة الثقافة في مدينة بني سويف على بعد 150 كيلومترا الى الجنوب من القاهرة، نتيجة وقوع شمعة استخدمت ضمن ديكور عرض <<حديقة الحيوان>> لفرقة نادي الفيوم المسرحي، وأسفر الحريق عن مقتل شخصيات بارزة مثل أستاذ الدراما في المعهد العالمي للمسرح التابع لاكاديمية الفنون والممثل والمخرج محسن مصلحي صاحب التأثير الكبير في الأوساط الطلابية وكذلك المخرج بهاء المرغني الناشط في الحركة الطلابية في السبعينيات، وغيبت النيران ايضا اسمين لامعين في عالم النقد والكتابة المسرحية هما أستاذ النقد في اكاديمية الفنون حازم شحادة وزميله الناقد والأستاذ في نفس المعهد مدحت ابو بكر إضافة الى نزار سمك الذي كان من أبرز مطلقي مهرجان نوادي المسرح قبل 15 عاما، وأستاذ المسرح المتميز صالح سعد وغيرهم من الممثلين الواعدين والصحافيين والمشاهدين في مأساة بلغت حصيلتها 52 قتيلا وما يقرب من 20 جريح. وقعت الكارثة بعد يومين من بدء فعاليات الدورة الخامسة عشرة لمهرجان نوادي المسرح الذي كان يشارك فيه 51 عرضا من بين 751 عرضا أنتجتها نوادي المسرح في قصور الثقافة التابعة لهيئة الثقافة الجماهيرية للمشاركة في المسابقة الرسمية للمهرجان، فرق من محافظات الإسكندرية وبورسعيد والفيوم والسويس والجيزة والمنيا والأقصر وسوهاج والشرقية والإسماعيلية والمنوفية، وتعتبر نوادي المسرح في مصر أهم مفخرة للفنانين الشباب وقد ترعرع فيها عدد كبير من الممثلين الذين أصبحوا نجوما في المسرح والسينما والتلفزيون. في هذا التحقيق نحاول التعرف على وقع المأساة وآثارها على جمهور الكتاب والمثقفين خاصة الذين عملوا في الهيئة العامة للثقافة وشاركوا في أغلب أنشطتها وفعالياتها لسنوات طويلة بعد مرور ما يزيد على أربعين يوماً من وقوعها. الكاتب الروائي إبراهيم عبد المجيد الذي تولى أكثر من منصب في الهيئة العامة لقصور الثقافة منها إدارة الثقافة العامة وسلسلة كتابات وهو الآن مسؤول عن أطلس الفلكلور، يقول إن المشكلة الأساسية للهيئة أن الجيل الأول والثاني من الكتاب والأدباء والموظفين الذين كانوا على دراية ووعي بالعمل الثقافي هجروها أو أخرجوا على المعاش، فجرى على الهيئة ما جرى على المجتمع كله فالثقافة أصبحت شيئاً مكروهاً، وأصبحت السيطرة للموظفين في الغالب، وأصبحت مديريات الثقافة في المحافظات تدار بمعرفة موظفين يعانون من الفقر والمستوى المتدني من الأجور والذين يبحث أغلبهم عن أعمال أخرى غير الثقافة لتلبية احتياجاتهم، وأصبح عملهم في قصور وبيوت الثقافة نشاطاً موسمياً تقليدياً مزعجاً هو وأصحابه، أيضاً ضعف وتردّي الميزانيات المخصصة جعل بيوت الثقافة في الأقاليم لا تسمح بشراء الصحف اليومية، والأبنية تغيب عنها الرعاية والصيانة ويأكلها الإهمال. كأن شيئاً لم يقع!! ويرى الكاتب والناقد أحمد عبد الرازق أبو العلا (تولى أكثر من منصب في هيئة قصور الثقافة خاصة في إصداراتها مثل مجلة الثقافة الجديدة وسلاسلها الإبداعية) أنه بعد شهرين من أحداث محرقة مسرح بني سويف التي راح ضحيتها 52 شهيدا من الكتاب والنقاد والصحافيين والجمهور، نتساءل: ما الذي حدث؟؟ مر الأمر مرور الكرام، وكأن شيئا لم يحدث، فلا وزير الثقافة أقيل كما طالب أهل الضحايا والمثقفون، ولا وزير الداخلية، ولا وزير الصحة، ولا محافظ بني سويف، بل اكتفى وزير الثقافة، بإبعاد د. مصطفى علوي المنتمي إلى لجنة السياسات التي يرأسها جمال مبارك عن رئاسة الهيئة العامة لقصور الثقافة، بعد أن جاءته الأوامر من لجنة السياسات، التي قامت بحمايته في بداية الأمر، ثم باعته حين لم تستطع حمايته أمام غضب الجميع، وثورتهم، وأمام اللعبة المسرحية التي قام بها فاروق حسني وزير الثقافة، حين قدم استقالته غير المكتوبة، ووضعها أمام الرئيس مبارك، الذي لم يقبلها، وكأن أرواح المصريين لا قيمة لها، فما بالك والأرواح لرجالات المسرح ونقاده وكتابه!!. هذا الأمر يكشف القناع عن النظام الذي لا ينحاز لشعبه بقدر انحيازه إلى مصالحه، حتى لو جاءت على حساب الأرواح، قدم وزير الثقافة بعض الموظفين الصغار كبش فداء، فأبعدهم عن وظائفهم، وحولهم إلى النيابة العامة التي أفرجت عنهم بكفالة مالية، لحين انتهاء التحقيقات، لكن السادة الوزراء لم يصبهم أي سوء، ولم يقف أي واحد منهم أمام أي جهة تحقيق، وكأن الوطن أصبح وطنهم وحدهم هل تستطيع عشرة آلاف جنيه، وهو المبلغ الذي صرفته وزارة الثقافة نيابة عن الدولة لكل شهيد، هل يستطيع هذا المبلغ أن يعوض أسر أهل الشهداء، وهل هذه هي القيمة التي تُحددها الدولة لكل كاتب أو ناقد أو مفكر، إذا أصابه سوء، نتيجة إهمال من الدولة؟؟ إن الدولة في حقيقة الأمر دولة قاتلة، ولو كنا في مجتمع ديمقراطي متحضر، لقدمت الحكومة كلها استقالتها، لكننا في دولة حين يموت كل هذا العدد من المثقفين نتيجة إهمال هي السبب الرئيسي فيه لا تقوم بتنكيس الأعلام، بل تقوم بممارسة الحياة وكأن شيئا لم يحدث، ولذلك وجدنا وزير الثقافة يصر على استمرار إقامة مهرجان تافه اسمه (مهرجان المسرح التجريبي) دون ادنى احترام للمشاعر، والسؤال هو: لو كان مسؤول واحد قد مات مع هؤلاء الشهداء، فهل كانت الأمور ستسير على النحو الذي سارت عليه، من الإهمال واللامبالاة؟؟. وزارة الثقافة بعد المحرقة قررت تعطيل كل الأنشطة المسرحية في الأقاليم، بحجة أن الأماكن غير مجهزة امنيا، وبسبب أن وسائل الأمن الصناعي غير قائمة، تفعل هذا بمنتهي البراءة، وكأن وزير الثقافة الذي يرأس هذه الوزارة منذ ثمانية عشر عاما وما زال لم يكن يعلم أن الأمور في مسارح قصور الثقافة أمور سيئة منذ سنوات، ولم يكلف نفسه بتوفير الأموال اللازمة لتأمين تلك القصور والبيوت الثقافية، التي تعدى عددها في مصر كلها 513 موقعا ثقافيا، لم يكلف نفسه بتوفير الأموال لهذه الأماكن، في الوقت الذي ينجح فيه في توفير مئات الملايين من الجنيهات، لإقامة احتفاليات لا قيمة لها، لأن مردودها الثقافي وقتي، وباهت، وضعيف، لكن المردود الثقافي الأعمق، المؤثر، هو المردود المستمر والدائم، وهذا ليس موجودا، ومنذ سنوات. إن تلك المحرقة تفرض علينا مسؤولية أن نُجبر المسؤولين في الدولة على الاهتمام بأمور الثقافة، وإعلاء شأن المثقفين الذين تحول معظمهمإلى قطيع، في حظيرة وزارة الثقافة، وهذا هو تعبير وزير الثقافة المصري نفسه، حين تباهى يوما وما زال يتباهى، بأنه نجح في إدخال المثقفين المصريين إلى الحظيرة، ويقصد حظيرة الدولة، بالهبات التي أعطاها لأصحاب الولاء، والمريدين، والأصدقاء، وباتت قضية مثل قضية (المثقف والسلطة) لا تجد لنفسها مكانا في مجتمع باع فيه معظم المثقفين ضمائرهم، في مقابل بعض العطايا والمنح التافهة وتخلوا عن دورهم الأساسي، ولا يمكن أن يقوم المثقف بدوره وهو على حالة وئام كامل وتام مع الواقع ومع السلطة، لأن الاختلاف هو الذي يدفع المجتمع أي مجتمع إلى التقدم والرقي. إن محرقة بني سويف كشفت المأزق الذي وضع المثقف نفسه فيه، فلا هو أصبح ضمير الأمة، ولا هو أصبح عميل السلطة الكامل، بل أصبح يسير على الحبل لأنه أراد أن يسلك المسلكين معاً، وهذا الطموح مستحيل تحقيقه، فلا بد أن يكون لك موقف محدد تجاه ما يحدث، لا بد أن تكون مع أو ضد، ولكن أن توقع باسمك على بيان يقول لرئيس الدولة لا تقبل استقالة الوزير، الذي أعلن مسؤوليته السياسية عما حدث في المحرقة؟!! فهذا أمر عبثي، وسلوك فج للمثقف، لأن هؤلاء باعوا ضمائرهم، مقابل لا شيء. حريق الوعي في بني سويفالناقد د. مصطفى الضبع أستاذ النقد الأدبي جامعة القاهرة فرع الفيوم ومدير تحرير سلسلة كتابات نقدية وأحد أبرز الوجوه التي تشارك في مؤتمرات وفعاليات الهيئة العامة لقصور الثقافة، يقول: بعيدا عن الأحداث الدامية التي نحاول جميعا وخاصة المسؤولين التنصل من أسبابها، وبعيدا عن الدموع التي من المفترض ألا نذرفها على المحترقين بأن نوفرها لما هو قادم من كوارث فالأجراس تدق للأحياء ا للذين رحلوا مودعي إيانا سادرين فى جهلنا، بعيدا عن كل ذلك يتطلب الأمر التوقف عند مجموعة من الرواسخ التي ما دامت قائمة فى حياتنا فعلينا أن نكتب وصايانا قبل الأوان: أولا: غياب الفهم الحقيقي لدور المسؤول للمتأمل لأدوار المسؤولين في الصحة والثقافة والأمن يتأكد له أننا نعيش في عالم المسئولين الآلهة، لم يتقبل وزير الصحة مقولة أن المستشفى الحكومي غير مؤهل لاستقبال حالات الطوارئ، رغم أننا نعلم جميعا أن مستشفيات وزارة الصحة ينطبق عليها مقولة الداخل مفقود (هل يفسر لنا السيد الوزير توالي حالات الوفيات بعد المحرقة؟) لم يتقبل مسؤول واحد النقد حتى لو كان تنبيها أو إشارة لمثلبة واحدة ولو كان المسؤول (أي مسؤول) على ثقة من نفسه بدرجة ما فهل تنسحب هذه الثقة (وبأي درجة) على من يعملون معه، إن المسؤول لا يتعامل مع مرؤوسيه بمنطق البشرية وأن منهم المجيد ومنهم دون ذلك، وإنما يتعامل بمنطق أن هؤلاء (رجالته) ومن ثم الاقتراب منهم معناه الاقتراب منه شخصيا (كم من الزمن احتاج السيد وزير الثقافة لإقالة الدكتور مصطفى علوي؟). ثانيا: غياب الوعي، الوعي بما يمكن حدوثه وما يتطلب خيالا نحن نفتقده (تراجع حالة العامل الذي أغلق باب المسرح من الخارج). ثالثا: غياب المثقف الحقيقي وحلول المثقف المدجن، وهو ما يمثل صدمة من نوع خاص لا تقل في نظري عن المحرقة ذاتها. لقد احترق البعض بمحض إرادتهم حين تابعنا ردود أفعالهم وإيثارهم جانب المصلحة الشخصية (يراجع موقف بعض الذين خدعنا في كونهم مثقفين لنكتشف أنهم لا يستحقون اللقب). ستظل الحال على ما هي عليه وعلى المتضرر اللجوء للوعي الغائب، ذلك الذي هجرنا منذ سنوات أو فلنقل إن المحترق الأول هو الوعي بكامله. نظرة مستقبلية للحادثةالقاص والروائي السيد نجم يقدم رؤية مختلفة لما سوف يترتب على الحادث فيقول: أظن أن ما حدث فى قصر ثقافة بني سوف يعد بؤرة ارتكاز للكثير من القضايا التي يمكن أن تنطلق منها، إلا أنني أفضل النظر الى <<الرؤية>> المستقبلية لما حدث وتبعات الحادثة المشؤومة. لعل مستقبل الآليات الثقافية أو بتعبير آخر الصناعة الثقيلة في الثقافة، هي ما يتوجب إعادة النظر إليها. تعد هيئة قصور قصور الثقافة واحدا من تلك المصانع/ المؤسسات المأمول منها بالدور المرجو، ضمن الصناعات الثقيلة الثقافية. وإن كان ما حدث في قصر بني سويف يعد مأزقا لأي مؤسسة كانت، فلا مناص من وقفة مع النفس.. مخلصة وصادقة لوجه الله والوطن. سوف نعدد الأسباب القريبة والبعيدة، الظاهرة والخفية.. وبالجد والصدق، يمكن تجاوزها. وسوف نشير بأصبع الاتهام إلى شخص ما أو نظام عمل، أو حتى لقوانين ولوائح قاصرة، كل ذلك يمكن تجاوزه. أما أن تمنع الأمهات أطفالهن من ارتياد قصور الثقافة، فهذا واقع حقيقي الآن، وأكثر ما يؤلمني بعدما هدأ الجميع. فالطفل هو المستقبل، ولا قيمة حقيقة للقصور الثقافية، ولا أقول لكل المؤسسات الثقافية، ان لم يكن الطفل نصب عينيها. وها هو ذا الطفل.. الأمل يمنع من ارتياد القصور الثقافية، والأم.. نلتمس لها بعض العذر، ولكن لا نكتفي بالصمت، يجب أن نتجاوز الآني بكل السرعة الممكنة، وعلى أسس جديدة. أخطر ما نتج عن حريق قصر ثقافة بني سويف (في رأيي) هو عزوف الأطفال والصبية الآن من ارتياد قصور الثقافة، وخصوصا أن بعض المحافظات بأمر من المحافظ، أغلقت أبواب بعض قصور الثقافة فيها، حرصا على أرواح الجميع..!! تمر هيئة قصور الثقافة الآن بمنعطف خطير، لاستيعاب ما حدث، ثم تجاوزه، ثم التقدم سريعا نحو رأب الصدع، وجمع شمل روادها.. وأكرر روادها من الأطفال. إن الأمهات اللاتي منعن أبناءهن، لن تقنعهن الشعارات ولا الكلمات المتفائلة، ولا الصمت.. لن يسمحن لأطفالهن بالعودة للصراخ واللعب داخل أروقة قصور الثقافة، الا بعد أن يشاهدن عملا إيجابيا فاعلا وصادقا وجادا، داخل تلك القصور، والبيوت الثقافية على الضفة الأخرى من النهر، لعلني أقصد الوجه الآخر من العملة، أو هي المراكز الثقافية في الريف والصعيد، والقرى والنجوع!! هولوكوست مصري الكاتب الصحافي حلمي النمنم (عضو لجنة الكتاب والنشر بالمجلس الأعلى للثقافة): على المستوى البعيد لن يكون للحادث آثار كبيرة سلبية أو إيجابية، فهذا الحادث يقع في نطاق حوادث مشابهة تقع باستمرار في مصر ولم تهتز الدنيا، نحن نعيش ما أسمّيه هولوكوست مصرياً، كل يوم تقريباً تقع حوادث مشابهة، قبل حادث بني سويف بليلة واحدة سقط أتوبيس في النيل أمام مدينة المنيا ولم يعثر إلا على خمس جثث فقط، الجهات المختصة قالت إن الأتوبيس كان به 29 راكباً ولكن الذي يعرف الأتوبيسات في صعيد مصر يمكن أن يتخيل أن الرقم ضعف ما ذكرته الجهات الرسمية على الأقل، ومع ذلك لم يتحرك أحد. بعد محرقة مسرح بني سويف بيومين نزل جرار زراعي في مدينة بني سويف نفسها وكان به 13 طفلاً وطفلة تحت السنوات العشر من العمر كانوا في طريقهم للعمل في الحقول وماتوا جميعاً ولم يتحرك أحد. حادث المسرح في هذا السياق عادي جداً لكن غير العادي أن الضحايا من النخبة، فتحركت النخبة ممثلة في المثقفين والكتاب والصحافيين، أما أولئك الذي يسقطون يومياً بالعشرات في حوادث متفرقة فلا يتحرك أحد (لأنهم من العوام والرعاع أو الزعران الذين لا يهتم بهم أحد). خراب شامل الكاتبة فريدة النقاش رئيسة تحرير مجلة أدب ونقد: ما حدث في بني سويف كان فريداً من نوعه، لا فحسب لأن أبسط وسائل الأمان كانت غائبة ولكن أيضاً لأن خراباً شاملاً قد كشف عن وجهه القبيح في كل المؤسسات الأخرى، إنها رسالة إلى كل المصريين فحواها أن حياتكم بلا قيمة لها، وأن الموت يتربص بكم جميعاً في كل مكان لأهون سبب وأنكم تواصلون الحياة مصادفة وأن كلاً منكم مطالب بأن يحمي نفسه وأسرته وأن لا يهتم بالآخرين فما من منفذ أو ملاذ أو ضمان. إن معظم هؤلاء الذين التهمتهم المحرقة في بني سويف لم تكن بني سويف محطتهم الأولى بل ربما هي الألف في رحلة شاقة جابوا فيها أقاليم مصر شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً ليشاهدوا الأعمال الفقيرة ويلتقوا بالمثقفين والكتاب الفقراء ويشاركوا في تقييم الأعمال ويقدموا خبراتهم ومعرفتهم لهؤلاء الذين هم في أمس الحاجة للعون بعد أن انكمشت الميزانيات المحدودة المخصصة للمسرح الإقليمي والتي كانت قد تآكلت أصلاً بسبب التضخم وارتفاع الأسعار، وأصبح جزء أساسي من الإنفاق الحكومي موجهاً للمهرجانات دون نظر جدي لأوضاع قصور الثقافة التي من المفترض أنها ترعي المثقفين في كل أقاليم البلاد وتساعدهم على تطوير مواهبهم وإمكانياتهم. حكايات لا تنتهي!وتستشهد الكاتبة د. كرمة سامي أستاذة الدراما بكلية الآداب جامعة عين شمس بحكايات وأقوال من عاشوا هذا الجحيم وتتحدث عن رؤيتها وتقول: اشتعلت خشبة المسرح فأسرع صديقي الشاب الفنان شادي الوسيمي بالخروج من الباب الضيق، اتصل بالمطافئ وبالاسعاف ودخل وخرج عدة مرات لينقذ ما يمكنه من زملائه، وفي المرة الأخيرة لدخول شادي لم يخرج فقد انفجر غاز الفريون واستشهد شادي، وهذه شهادة زملائه الناجين من الحريق لوالدته. تأخرت عربات المطافئ وتأخر الإسعاف ونجا شادي من الوقوع في براثن شبكة الجهل والتخلف وغنم مع زملائه طلاب أكاديمية الفنون وعشاق المسرح وأساتذته من نجوم نقاد المسرح بالشهادة. لكن بقي لنا بعد المأساة التي لم تنته بعد المكاشفة ومواجهتنا مع النفس بعد هذه الخسارة الغالية التي لا تحتمل. عندما احترقت ستارة المسرح انكشف ما تصورناه مستورا وشاهدنا بأعيننا الفقر المعيب في الخدمات الصحية والأمنية والثقافية. ولكي لا نتهم <<بالتهويل>> يكفي لنا أن نتابع ما ينشر عن الضحايا وتفاصيل المشهد الثقافي لنتبيّن الخدعة الكبرى في أداء فقير ومخز لكل من له صلة بالحريق، خارج مشهد الحريق يتصل الدكتور صالح سعد من هاتفه المحمول ليستنجد بأسرته ثم يلقى ربه في اليوم التالي متأثرا بحروقه، أحد وكلاء وزارة الثقافة السابقين يصرح لصحيفة رسمية بأن نصيب الفرد من الخدمات الثقافية لا يتعدى ثلاثين قرشا سنويا، المسرح التجريبي السنوي كلف مصر أكثر من مئة مليون جنيه مصري، انكشفت الثقافة المصرية واحترقت داخل القاعة الصغيرة لنكتشف أنها أطلال مبعثرة، كان ويليام شكسبير يعرض أعماله على خشبة مسرح الجلوب وفي بلاط الملكة إليزابيث، لم يكن البذخ أو الترف هو الذي نشر رسالته الفنية عبر العصور وإنما الفن الحقيقي الذي أبدعه لكل مواطني العالم، لذلك لا يبنى صرح الثقافة المصرية الشامخة العريقة بقص أشرطة المهرجانات في دار الأوبرا بالجزيرة وإنما بتخطيط وتنفيذ مستمر لنشر الثقافة في كل قرى مصر لكي يحلم الفقراء ويصبح الفن أجنحتهم التي يحلقون بها. أصابت محرقة بني سويف الثقافة المصرية في مقتل وكشفت هشاشة البنيان وهو ما كنا نشعر به منذ سنوات حتى أصبح حقيقة واقعة سقط ضحيتها خمسون من أبناء هذا الشعب الطيب ينتمون إلى طائفة المثقفين التي أوشكت على الانقراض.. عندما يحترق <<بيت>> الثقافة ولا يجد المثقفون لهم مأوى لا بد لنا من وقفة حاسمة مع النفس مثقفين ومسؤولين لكي لا نسمح بتكرار هذا الحدث المشين على أرض مصر الحبيبة مهد الحضارات وأم الدنيا؟ الناقد والكاتب المسرحي د. نبيل بهجت أستاذ علوم المسرح في جامعة حلوان: للأسف غياب الإمكانيات وعدم توافر وسائل أمان والإهمال، هذه أمور تتكرر لكن لا أحد يشعر حتى تقع كارثة بهذا الحجم، والمشكلة أن المسؤولين عن هيئة قصور الثقافة بمختلف مستوياتهم الإدارية ليس لديهم تصور عن كيفية إعداد وتجهيز مهرجان يستضيف أعدادا كبيرة من الفرق المسرحية المشاركة التي تحتاج لإجراءات واستعدادات للتأمين وللطوارئ ولا يعرفون كيف ينسقون مع الجهات التنفيذية المختلفة. من أجل ذلك فإن كارثة بني سويف يمكن تكرارها بسهولة في أماكن أخرى تابعة لهيئة قصور الثقافة، ويمكنني أن أضرب لك الأمثلة على عدد كبير من قصور الثقافة عبارة عن خرائب لمخلفات المهرجانات ومرتجعات الكتب وغير ذلك

محرقة بني سويف كشفت المثقف المصري

فلا هو ضمير الأمة ولا هو عميل السلطة هولوكوست مصري.. انكشفت الثقافة المصرية واحترقت داخل الحجرة

جريدة السفير - « محمد الحمامصي » - 2005/11/9

لا تزال محرقة بني سويف تلقي بظلالها على الحركة الثقافية في مصر وعلى قطاعات وزارة الثقافة المصرية وأنشطة الهيئة العامة لقصور الثقافة بشكل خاص، حيث توقفت مجمل أنشطتها وما أقيم خلال شهر رمضان عانى من آثار هذه المحرقة التي وقعت في قصر ثقافة الفيوم وراح ضحيتها خمسون ناقداً ومسرحياً وصحافياً، فأهالي الضحايا وما إن هدأت الأمور بعض الشيء فوجئوا بإهمال الحكومة لحقوقهم المادية والمعنوية، حتى الحفلات التي أقيمت لمصلحتهم وتبرعات رجال الأعمال وغيرهم والتي يقال إنها بلغت 20 مليون جنيه، لم يستفيدوا بها ولم تصل لهم، والأخطر من ذلك ما أشار إليه العاملون والمتابعون لحركة أنشطة قصور الثقافة من أن هناك إحجاما وتحذيرا من قبل الجمهور الذي اعتاد على الإقبال عليها لأبنائهم وذويهم من التوجهإلى هذه القصور لحضور فعالياتها، فالمخاوف من تكرار الحادث تتصاعد يوماً بعد الآخر مع تزايد فقدان الثقة في الإصلاح والتغيير. وقد وقع الحريق الذي شب بمسرح قصر الثقافة التابع لوزارة الثقافة في مدينة بني سويف على بعد 150 كيلومترا الى الجنوب من القاهرة، نتيجة وقوع شمعة استخدمت ضمن ديكور عرض <<حديقة الحيوان>> لفرقة نادي الفيوم المسرحي، وأسفر الحريق عن مقتل شخصيات بارزة مثل أستاذ الدراما في المعهد العالمي للمسرح التابع لاكاديمية الفنون والممثل والمخرج محسن مصلحي صاحب التأثير الكبير في الأوساط الطلابية وكذلك المخرج بهاء المرغني الناشط في الحركة الطلابية في السبعينيات، وغيبت النيران ايضا اسمين لامعين في عالم النقد والكتابة المسرحية هما أستاذ النقد في اكاديمية الفنون حازم شحادة وزميله الناقد والأستاذ في نفس المعهد مدحت ابو بكر إضافة الى نزار سمك الذي كان من أبرز مطلقي مهرجان نوادي المسرح قبل 15 عاما، وأستاذ المسرح المتميز صالح سعد وغيرهم من الممثلين الواعدين والصحافيين والمشاهدين في مأساة بلغت حصيلتها 52 قتيلا وما يقرب من 20 جريح. وقعت الكارثة بعد يومين من بدء فعاليات الدورة الخامسة عشرة لمهرجان نوادي المسرح الذي كان يشارك فيه 51 عرضا من بين 751 عرضا أنتجتها نوادي المسرح في قصور الثقافة التابعة لهيئة الثقافة الجماهيرية للمشاركة في المسابقة الرسمية للمهرجان، فرق من محافظات الإسكندرية وبورسعيد والفيوم والسويس والجيزة والمنيا والأقصر وسوهاج والشرقية والإسماعيلية والمنوفية، وتعتبر نوادي المسرح في مصر أهم مفخرة للفنانين الشباب وقد ترعرع فيها عدد كبير من الممثلين الذين أصبحوا نجوما في المسرح والسينما والتلفزيون. في هذا التحقيق نحاول التعرف على وقع المأساة وآثارها على جمهور الكتاب والمثقفين خاصة الذين عملوا في الهيئة العامة للثقافة وشاركوا في أغلب أنشطتها وفعالياتها لسنوات طويلة بعد مرور ما يزيد على أربعين يوماً من وقوعها. الكاتب الروائي إبراهيم عبد المجيد الذي تولى أكثر من منصب في الهيئة العامة لقصور الثقافة منها إدارة الثقافة العامة وسلسلة كتابات وهو الآن مسؤول عن أطلس الفلكلور، يقول إن المشكلة الأساسية للهيئة أن الجيل الأول والثاني من الكتاب والأدباء والموظفين الذين كانوا على دراية ووعي بالعمل الثقافي هجروها أو أخرجوا على المعاش، فجرى على الهيئة ما جرى على المجتمع كله فالثقافة أصبحت شيئاً مكروهاً، وأصبحت السيطرة للموظفين في الغالب، وأصبحت مديريات الثقافة في المحافظات تدار بمعرفة موظفين يعانون من الفقر والمستوى المتدني من الأجور والذين يبحث أغلبهم عن أعمال أخرى غير الثقافة لتلبية احتياجاتهم، وأصبح عملهم في قصور وبيوت الثقافة نشاطاً موسمياً تقليدياً مزعجاً هو وأصحابه، أيضاً ضعف وتردّي الميزانيات المخصصة جعل بيوت الثقافة في الأقاليم لا تسمح بشراء الصحف اليومية، والأبنية تغيب عنها الرعاية والصيانة ويأكلها الإهمال. كأن شيئاً لم يقع!! ويرى الكاتب والناقد أحمد عبد الرازق أبو العلا (تولى أكثر من منصب في هيئة قصور الثقافة خاصة في إصداراتها مثل مجلة الثقافة الجديدة وسلاسلها الإبداعية) أنه بعد شهرين من أحداث محرقة مسرح بني سويف التي راح ضحيتها 52 شهيدا من الكتاب والنقاد والصحافيين والجمهور، نتساءل: ما الذي حدث؟؟ مر الأمر مرور الكرام، وكأن شيئا لم يحدث، فلا وزير الثقافة أقيل كما طالب أهل الضحايا والمثقفون، ولا وزير الداخلية، ولا وزير الصحة، ولا محافظ بني سويف، بل اكتفى وزير الثقافة، بإبعاد د. مصطفى علوي المنتمي إلى لجنة السياسات التي يرأسها جمال مبارك عن رئاسة الهيئة العامة لقصور الثقافة، بعد أن جاءته الأوامر من لجنة السياسات، التي قامت بحمايته في بداية الأمر، ثم باعته حين لم تستطع حمايته أمام غضب الجميع، وثورتهم، وأمام اللعبة المسرحية التي قام بها فاروق حسني وزير الثقافة، حين قدم استقالته غير المكتوبة، ووضعها أمام الرئيس مبارك، الذي لم يقبلها، وكأن أرواح المصريين لا قيمة لها، فما بالك والأرواح لرجالات المسرح ونقاده وكتابه!!. هذا الأمر يكشف القناع عن النظام الذي لا ينحاز لشعبه بقدر انحيازه إلى مصالحه، حتى لو جاءت على حساب الأرواح، قدم وزير الثقافة بعض الموظفين الصغار كبش فداء، فأبعدهم عن وظائفهم، وحولهم إلى النيابة العامة التي أفرجت عنهم بكفالة مالية، لحين انتهاء التحقيقات، لكن السادة الوزراء لم يصبهم أي سوء، ولم يقف أي واحد منهم أمام أي جهة تحقيق، وكأن الوطن أصبح وطنهم وحدهم هل تستطيع عشرة آلاف جنيه، وهو المبلغ الذي صرفته وزارة الثقافة نيابة عن الدولة لكل شهيد، هل يستطيع هذا المبلغ أن يعوض أسر أهل الشهداء، وهل هذه هي القيمة التي تُحددها الدولة لكل كاتب أو ناقد أو مفكر، إذا أصابه سوء، نتيجة إهمال من الدولة؟؟ إن الدولة في حقيقة الأمر دولة قاتلة، ولو كنا في مجتمع ديمقراطي متحضر، لقدمت الحكومة كلها استقالتها، لكننا في دولة حين يموت كل هذا العدد من المثقفين نتيجة إهمال هي السبب الرئيسي فيه لا تقوم بتنكيس الأعلام، بل تقوم بممارسة الحياة وكأن شيئا لم يحدث، ولذلك وجدنا وزير الثقافة يصر على استمرار إقامة مهرجان تافه اسمه (مهرجان المسرح التجريبي) دون ادنى احترام للمشاعر، والسؤال هو: لو كان مسؤول واحد قد مات مع هؤلاء الشهداء، فهل كانت الأمور ستسير على النحو الذي سارت عليه، من الإهمال واللامبالاة؟؟. وزارة الثقافة بعد المحرقة قررت تعطيل كل الأنشطة المسرحية في الأقاليم، بحجة أن الأماكن غير مجهزة امنيا، وبسبب أن وسائل الأمن الصناعي غير قائمة، تفعل هذا بمنتهي البراءة، وكأن وزير الثقافة الذي يرأس هذه الوزارة منذ ثمانية عشر عاما وما زال لم يكن يعلم أن الأمور في مسارح قصور الثقافة أمور سيئة منذ سنوات، ولم يكلف نفسه بتوفير الأموال اللازمة لتأمين تلك القصور والبيوت الثقافية، التي تعدى عددها في مصر كلها 513 موقعا ثقافيا، لم يكلف نفسه بتوفير الأموال لهذه الأماكن، في الوقت الذي ينجح فيه في توفير مئات الملايين من الجنيهات، لإقامة احتفاليات لا قيمة لها، لأن مردودها الثقافي وقتي، وباهت، وضعيف، لكن المردود الثقافي الأعمق، المؤثر، هو المردود المستمر والدائم، وهذا ليس موجودا، ومنذ سنوات. إن تلك المحرقة تفرض علينا مسؤولية أن نُجبر المسؤولين في الدولة على الاهتمام بأمور الثقافة، وإعلاء شأن المثقفين الذين تحول معظمهمإلى قطيع، في حظيرة وزارة الثقافة، وهذا هو تعبير وزير الثقافة المصري نفسه، حين تباهى يوما وما زال يتباهى، بأنه نجح في إدخال المثقفين المصريين إلى الحظيرة، ويقصد حظيرة الدولة، بالهبات التي أعطاها لأصحاب الولاء، والمريدين، والأصدقاء، وباتت قضية مثل قضية (المثقف والسلطة) لا تجد لنفسها مكانا في مجتمع باع فيه معظم المثقفين ضمائرهم، في مقابل بعض العطايا والمنح التافهة وتخلوا عن دورهم الأساسي، ولا يمكن أن يقوم المثقف بدوره وهو على حالة وئام كامل وتام مع الواقع ومع السلطة، لأن الاختلاف هو الذي يدفع المجتمع أي مجتمع إلى التقدم والرقي. إن محرقة بني سويف كشفت المأزق الذي وضع المثقف نفسه فيه، فلا هو أصبح ضمير الأمة، ولا هو أصبح عميل السلطة الكامل، بل أصبح يسير على الحبل لأنه أراد أن يسلك المسلكين معاً، وهذا الطموح مستحيل تحقيقه، فلا بد أن يكون لك موقف محدد تجاه ما يحدث، لا بد أن تكون مع أو ضد، ولكن أن توقع باسمك على بيان يقول لرئيس الدولة لا تقبل استقالة الوزير، الذي أعلن مسؤوليته السياسية عما حدث في المحرقة؟!! فهذا أمر عبثي، وسلوك فج للمثقف، لأن هؤلاء باعوا ضمائرهم، مقابل لا شيء. حريق الوعي في بني سويفالناقد د. مصطفى الضبع أستاذ النقد الأدبي جامعة القاهرة فرع الفيوم ومدير تحرير سلسلة كتابات نقدية وأحد أبرز الوجوه التي تشارك في مؤتمرات وفعاليات الهيئة العامة لقصور الثقافة، يقول: بعيدا عن الأحداث الدامية التي نحاول جميعا وخاصة المسؤولين التنصل من أسبابها، وبعيدا عن الدموع التي من المفترض ألا نذرفها على المحترقين بأن نوفرها لما هو قادم من كوارث فالأجراس تدق للأحياء ا للذين رحلوا مودعي إيانا سادرين فى جهلنا، بعيدا عن كل ذلك يتطلب الأمر التوقف عند مجموعة من الرواسخ التي ما دامت قائمة فى حياتنا فعلينا أن نكتب وصايانا قبل الأوان: أولا: غياب الفهم الحقيقي لدور المسؤول للمتأمل لأدوار المسؤولين في الصحة والثقافة والأمن يتأكد له أننا نعيش في عالم المسئولين الآلهة، لم يتقبل وزير الصحة مقولة أن المستشفى الحكومي غير مؤهل لاستقبال حالات الطوارئ، رغم أننا نعلم جميعا أن مستشفيات وزارة الصحة ينطبق عليها مقولة الداخل مفقود (هل يفسر لنا السيد الوزير توالي حالات الوفيات بعد المحرقة؟) لم يتقبل مسؤول واحد النقد حتى لو كان تنبيها أو إشارة لمثلبة واحدة ولو كان المسؤول (أي مسؤول) على ثقة من نفسه بدرجة ما فهل تنسحب هذه الثقة (وبأي درجة) على من يعملون معه، إن المسؤول لا يتعامل مع مرؤوسيه بمنطق البشرية وأن منهم المجيد ومنهم دون ذلك، وإنما يتعامل بمنطق أن هؤلاء (رجالته) ومن ثم الاقتراب منهم معناه الاقتراب منه شخصيا (كم من الزمن احتاج السيد وزير الثقافة لإقالة الدكتور مصطفى علوي؟). ثانيا: غياب الوعي، الوعي بما يمكن حدوثه وما يتطلب خيالا نحن نفتقده (تراجع حالة العامل الذي أغلق باب المسرح من الخارج). ثالثا: غياب المثقف الحقيقي وحلول المثقف المدجن، وهو ما يمثل صدمة من نوع خاص لا تقل في نظري عن المحرقة ذاتها. لقد احترق البعض بمحض إرادتهم حين تابعنا ردود أفعالهم وإيثارهم جانب المصلحة الشخصية (يراجع موقف بعض الذين خدعنا في كونهم مثقفين لنكتشف أنهم لا يستحقون اللقب). ستظل الحال على ما هي عليه وعلى المتضرر اللجوء للوعي الغائب، ذلك الذي هجرنا منذ سنوات أو فلنقل إن المحترق الأول هو الوعي بكامله. نظرة مستقبلية للحادثةالقاص والروائي السيد نجم يقدم رؤية مختلفة لما سوف يترتب على الحادث فيقول: أظن أن ما حدث فى قصر ثقافة بني سوف يعد بؤرة ارتكاز للكثير من القضايا التي يمكن أن تنطلق منها، إلا أنني أفضل النظر الى <<الرؤية>> المستقبلية لما حدث وتبعات الحادثة المشؤومة. لعل مستقبل الآليات الثقافية أو بتعبير آخر الصناعة الثقيلة في الثقافة، هي ما يتوجب إعادة النظر إليها. تعد هيئة قصور قصور الثقافة واحدا من تلك المصانع/ المؤسسات المأمول منها بالدور المرجو، ضمن الصناعات الثقيلة الثقافية. وإن كان ما حدث في قصر بني سويف يعد مأزقا لأي مؤسسة كانت، فلا مناص من وقفة مع النفس.. مخلصة وصادقة لوجه الله والوطن. سوف نعدد الأسباب القريبة والبعيدة، الظاهرة والخفية.. وبالجد والصدق، يمكن تجاوزها. وسوف نشير بأصبع الاتهام إلى شخص ما أو نظام عمل، أو حتى لقوانين ولوائح قاصرة، كل ذلك يمكن تجاوزه. أما أن تمنع الأمهات أطفالهن من ارتياد قصور الثقافة، فهذا واقع حقيقي الآن، وأكثر ما يؤلمني بعدما هدأ الجميع. فالطفل هو المستقبل، ولا قيمة حقيقة للقصور الثقافية، ولا أقول لكل المؤسسات الثقافية، ان لم يكن الطفل نصب عينيها. وها هو ذا الطفل.. الأمل يمنع من ارتياد القصور الثقافية، والأم.. نلتمس لها بعض العذر، ولكن لا نكتفي بالصمت، يجب أن نتجاوز الآني بكل السرعة الممكنة، وعلى أسس جديدة. أخطر ما نتج عن حريق قصر ثقافة بني سويف (في رأيي) هو عزوف الأطفال والصبية الآن من ارتياد قصور الثقافة، وخصوصا أن بعض المحافظات بأمر من المحافظ، أغلقت أبواب بعض قصور الثقافة فيها، حرصا على أرواح الجميع..!! تمر هيئة قصور الثقافة الآن بمنعطف خطير، لاستيعاب ما حدث، ثم تجاوزه، ثم التقدم سريعا نحو رأب الصدع، وجمع شمل روادها.. وأكرر روادها من الأطفال. إن الأمهات اللاتي منعن أبناءهن، لن تقنعهن الشعارات ولا الكلمات المتفائلة، ولا الصمت.. لن يسمحن لأطفالهن بالعودة للصراخ واللعب داخل أروقة قصور الثقافة، الا بعد أن يشاهدن عملا إيجابيا فاعلا وصادقا وجادا، داخل تلك القصور، والبيوت الثقافية على الضفة الأخرى من النهر، لعلني أقصد الوجه الآخر من العملة، أو هي المراكز الثقافية في الريف والصعيد، والقرى والنجوع!! هولوكوست مصري الكاتب الصحافي حلمي النمنم (عضو لجنة الكتاب والنشر بالمجلس الأعلى للثقافة): على المستوى البعيد لن يكون للحادث آثار كبيرة سلبية أو إيجابية، فهذا الحادث يقع في نطاق حوادث مشابهة تقع باستمرار في مصر ولم تهتز الدنيا، نحن نعيش ما أسمّيه هولوكوست مصرياً، كل يوم تقريباً تقع حوادث مشابهة، قبل حادث بني سويف بليلة واحدة سقط أتوبيس في النيل أمام مدينة المنيا ولم يعثر إلا على خمس جثث فقط، الجهات المختصة قالت إن الأتوبيس كان به 29 راكباً ولكن الذي يعرف الأتوبيسات في صعيد مصر يمكن أن يتخيل أن الرقم ضعف ما ذكرته الجهات الرسمية على الأقل، ومع ذلك لم يتحرك أحد. بعد محرقة مسرح بني سويف بيومين نزل جرار زراعي في مدينة بني سويف نفسها وكان به 13 طفلاً وطفلة تحت السنوات العشر من العمر كانوا في طريقهم للعمل في الحقول وماتوا جميعاً ولم يتحرك أحد. حادث المسرح في هذا السياق عادي جداً لكن غير العادي أن الضحايا من النخبة، فتحركت النخبة ممثلة في المثقفين والكتاب والصحافيين، أما أولئك الذي يسقطون يومياً بالعشرات في حوادث متفرقة فلا يتحرك أحد (لأنهم من العوام والرعاع أو الزعران الذين لا يهتم بهم أحد). خراب شامل الكاتبة فريدة النقاش رئيسة تحرير مجلة أدب ونقد: ما حدث في بني سويف كان فريداً من نوعه، لا فحسب لأن أبسط وسائل الأمان كانت غائبة ولكن أيضاً لأن خراباً شاملاً قد كشف عن وجهه القبيح في كل المؤسسات الأخرى، إنها رسالة إلى كل المصريين فحواها أن حياتكم بلا قيمة لها، وأن الموت يتربص بكم جميعاً في كل مكان لأهون سبب وأنكم تواصلون الحياة مصادفة وأن كلاً منكم مطالب بأن يحمي نفسه وأسرته وأن لا يهتم بالآخرين فما من منفذ أو ملاذ أو ضمان. إن معظم هؤلاء الذين التهمتهم المحرقة في بني سويف لم تكن بني سويف محطتهم الأولى بل ربما هي الألف في رحلة شاقة جابوا فيها أقاليم مصر شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً ليشاهدوا الأعمال الفقيرة ويلتقوا بالمثقفين والكتاب الفقراء ويشاركوا في تقييم الأعمال ويقدموا خبراتهم ومعرفتهم لهؤلاء الذين هم في أمس الحاجة للعون بعد أن انكمشت الميزانيات المحدودة المخصصة للمسرح الإقليمي والتي كانت قد تآكلت أصلاً بسبب التضخم وارتفاع الأسعار، وأصبح جزء أساسي من الإنفاق الحكومي موجهاً للمهرجانات دون نظر جدي لأوضاع قصور الثقافة التي من المفترض أنها ترعي المثقفين في كل أقاليم البلاد وتساعدهم على تطوير مواهبهم وإمكانياتهم. حكايات لا تنتهي!وتستشهد الكاتبة د. كرمة سامي أستاذة الدراما بكلية الآداب جامعة عين شمس بحكايات وأقوال من عاشوا هذا الجحيم وتتحدث عن رؤيتها وتقول: اشتعلت خشبة المسرح فأسرع صديقي الشاب الفنان شادي الوسيمي بالخروج من الباب الضيق، اتصل بالمطافئ وبالاسعاف ودخل وخرج عدة مرات لينقذ ما يمكنه من زملائه، وفي المرة الأخيرة لدخول شادي لم يخرج فقد انفجر غاز الفريون واستشهد شادي، وهذه شهادة زملائه الناجين من الحريق لوالدته. تأخرت عربات المطافئ وتأخر الإسعاف ونجا شادي من الوقوع في براثن شبكة الجهل والتخلف وغنم مع زملائه طلاب أكاديمية الفنون وعشاق المسرح وأساتذته من نجوم نقاد المسرح بالشهادة. لكن بقي لنا بعد المأساة التي لم تنته بعد المكاشفة ومواجهتنا مع النفس بعد هذه الخسارة الغالية التي لا تحتمل. عندما احترقت ستارة المسرح انكشف ما تصورناه مستورا وشاهدنا بأعيننا الفقر المعيب في الخدمات الصحية والأمنية والثقافية. ولكي لا نتهم <<بالتهويل>> يكفي لنا أن نتابع ما ينشر عن الضحايا وتفاصيل المشهد الثقافي لنتبيّن الخدعة الكبرى في أداء فقير ومخز لكل من له صلة بالحريق، خارج مشهد الحريق يتصل الدكتور صالح سعد من هاتفه المحمول ليستنجد بأسرته ثم يلقى ربه في اليوم التالي متأثرا بحروقه، أحد وكلاء وزارة الثقافة السابقين يصرح لصحيفة رسمية بأن نصيب الفرد من الخدمات الثقافية لا يتعدى ثلاثين قرشا سنويا، المسرح التجريبي السنوي كلف مصر أكثر من مئة مليون جنيه مصري، انكشفت الثقافة المصرية واحترقت داخل القاعة الصغيرة لنكتشف أنها أطلال مبعثرة، كان ويليام شكسبير يعرض أعماله على خشبة مسرح الجلوب وفي بلاط الملكة إليزابيث، لم يكن البذخ أو الترف هو الذي نشر رسالته الفنية عبر العصور وإنما الفن الحقيقي الذي أبدعه لكل مواطني العالم، لذلك لا يبنى صرح الثقافة المصرية الشامخة العريقة بقص أشرطة المهرجانات في دار الأوبرا بالجزيرة وإنما بتخطيط وتنفيذ مستمر لنشر الثقافة في كل قرى مصر لكي يحلم الفقراء ويصبح الفن أجنحتهم التي يحلقون بها. أصابت محرقة بني سويف الثقافة المصرية في مقتل وكشفت هشاشة البنيان وهو ما كنا نشعر به منذ سنوات حتى أصبح حقيقة واقعة سقط ضحيتها خمسون من أبناء هذا الشعب الطيب ينتمون إلى طائفة المثقفين التي أوشكت على الانقراض.. عندما يحترق <<بيت>> الثقافة ولا يجد المثقفون لهم مأوى لا بد لنا من وقفة حاسمة مع النفس مثقفين ومسؤولين لكي لا نسمح بتكرار هذا الحدث المشين على أرض مصر الحبيبة مهد الحضارات وأم الدنيا؟ الناقد والكاتب المسرحي د. نبيل بهجت أستاذ علوم المسرح في جامعة حلوان: للأسف غياب الإمكانيات وعدم توافر وسائل أمان والإهمال، هذه أمور تتكرر لكن لا أحد يشعر حتى تقع كارثة بهذا الحجم، والمشكلة أن المسؤولين عن هيئة قصور الثقافة بمختلف مستوياتهم الإدارية ليس لديهم تصور عن كيفية إعداد وتجهيز مهرجان يستضيف أعدادا كبيرة من الفرق المسرحية المشاركة التي تحتاج لإجراءات واستعدادات للتأمين وللطوارئ ولا يعرفون كيف ينسقون مع الجهات التنفيذية المختلفة. من أجل ذلك فإن كارثة بني سويف يمكن تكرارها بسهولة في أماكن أخرى تابعة لهيئة قصور الثقافة، ويمكنني أن أضرب لك الأمثلة على عدد كبير من قصور الثقافة عبارة عن خرائب لمخلفات المهرجانات ومرتجعات الكتب وغير ذلك

الاثنين، نوفمبر 07، 2005

نوار: جئت من أجل الإصلاح

لا يعتبر نفسه رئيس الصدفة للثقافة الجماهيرية نوار: جئت من أجل الإصلاح

كتب طارق الطاهر-أخبار الأدب: --> اكد د. احمد نوار رئيس هيئة قصور الثقافة، انه لم يأت لرئاسة الثقافة الجماهيرية 'سدخانة' باعتباره منتدبا من قطاع الفنون التشكيلية، اذ سبق له ان تولي لمدة خمس سنوات من 94 الي 1999، ثلاثة قطاعات داخل وزارة الثقافة وحقق في جميعها انجازات، واضاف: انه جاء من اجل وضع خطة شاملة لتطوير الهيئة سواء علي مستوي الابنية أو الأنشطة، و بالفعل اوشك علي الانتهاء من التقرير الخاص بحالة الأبنية، وذلك بعد مسح شامل لجميع المواقع من خلال التقاط 12 الف صورة فوتوغرافية، وهذه الصور توضح مبدئيا ان معظم المواقع تحتاج الي احلال كامل، وعدد ضئيل منها في حاجة الي تطوير وتحديث، بينما توجد مواقع قليلة العدد تحتاج فقط الي بعض الاستكمالات،وهي الاماكن المنشأة والمفتتحة حديثا، ولكن جميع مواقع الهيئة تتفق في الغياب التام لنواحي التأمين المدني والصيانة واوضح نوار انه سيعقد اجتماعا مع مكتب استشاري لوضع تصور كامل لكيفية تنفيذ هذه الخطة والارقام المالية التي تحتاجها، جاء ذلك في لقائه مع عدد من المثقفين والادباء ورجال الاعلام مساء الأثنين الماضي، وقد كشف ايضا في هذا اللقاء ان الهيئة لاتحتاج لمراجعة في الابنية فقط ولكنها تحتاج كذلك الي اعادة نظر في لوائحها المالية وقواعد العمل التنظيمي، فهي في حاجة ماسة لاعادة هيكلتها، وهو الامر الذي يتم حاليا بالفعل.

استمر هذا اللقاء لمدة اربع ساعات، واتسم بالصدق الشديد في طرح مشاكل الهيئة، اذ طرح فيه المتحدثون تصوراتهم لسلبيات الهيئة وطالبوا بضرورة وضع خطة عاجلة لانقاذها، ومن المشاكل التي طرحوها تدخل اجهزة الامن لاسيما في الفروع الثقافية في الانشطة بعيدا عن مهامهم الامنية، ضرورة تحديث المكتبات واحياء نظام القوافل، تفتيت المركزية واعادة النظر في طريقة معاملة الادارات المركزية للأقاليم والفروع الثقافية، وضع لائحة جديدة للهيئة تحدد فلسفتها واستراتيجتها، والسعي ان تكون الانشطة الثقافية والفنية جزءا من سعي الدول للتنمية المجتمعية، احياء وتنشيط جمعية رواد قصور الثقافة، تنظيم مسابقة قومية للتأليف المسرحي ولتنشيط الحركة المسرحية، ضرورة التعاون مع جمعيات المجتمع المدني والاهتمام بأن تمتد مظلة النشر المركزي لتشمل الاقاليم وعدم التركيز علي القاهريين .

وفي نهاية اللقاء اعلن د. نوار عن اصداره ثمانية قرارات تنظيمية هي: انشاء ادارة للتسويق تهدف الي القضاء علي التكدس في المخازن بالنسبة للكتب والحرف التقليدية، وتسعي الي ان تحقق هامش ربح من اجل تشجيع الحرفيين، وانشاء استديو لتصوير المرئي والفوتوغرافي لتوثيق نشاط الهيئة وتحويل ذلك الي اقراص مدمجة يمكن ان تباع خاصة في المهرجانات الدولية التي تتهافت علي فرقنا، انشاء بنك للمعلومات الثقافية، احياء مسرح الجرن والساحة ،تأسيس صندوق خاص بالهيئة من مساهمات المواطنين ورجال الاعمال في مختلف انحاء الجمهورية، الانفتاح علي جمعيات المجتمع المدني، اصدار سلسلة عن حرب اكتوبر لتوثيق هذا الحدث التاريخي الهام في حياتنا، احياء فكرة المسرح المدرس والجامعي، مراجعة اللوائح الحالية للهيئة، خاصة فيما يتعلق بمكافآت الفنانين والكتاب المتعاملين مع انشطة الهيئة، انشاء وحده للتصميم الجرافيكي .

حضر اللقاء عدد من المثقفين والادباء ومن قيادات الهيئة: عزه عبدالحفيظ، رئيس الادارة المركزية لمكتب رئيس الهيئة ،د. احمد مجاهد رئيس الادارة المركزية للشئون الثقافية