الأحد، نوفمبر 13، 2005

محرقة بني سويف كشفت المثقف المصري

فلا هو ضمير الأمة ولا هو عميل السلطة هولوكوست مصري.. انكشفت الثقافة المصرية واحترقت داخل الحجرة

جريدة السفير - « محمد الحمامصي » - 2005/11/9

لا تزال محرقة بني سويف تلقي بظلالها على الحركة الثقافية في مصر وعلى قطاعات وزارة الثقافة المصرية وأنشطة الهيئة العامة لقصور الثقافة بشكل خاص، حيث توقفت مجمل أنشطتها وما أقيم خلال شهر رمضان عانى من آثار هذه المحرقة التي وقعت في قصر ثقافة الفيوم وراح ضحيتها خمسون ناقداً ومسرحياً وصحافياً، فأهالي الضحايا وما إن هدأت الأمور بعض الشيء فوجئوا بإهمال الحكومة لحقوقهم المادية والمعنوية، حتى الحفلات التي أقيمت لمصلحتهم وتبرعات رجال الأعمال وغيرهم والتي يقال إنها بلغت 20 مليون جنيه، لم يستفيدوا بها ولم تصل لهم، والأخطر من ذلك ما أشار إليه العاملون والمتابعون لحركة أنشطة قصور الثقافة من أن هناك إحجاما وتحذيرا من قبل الجمهور الذي اعتاد على الإقبال عليها لأبنائهم وذويهم من التوجهإلى هذه القصور لحضور فعالياتها، فالمخاوف من تكرار الحادث تتصاعد يوماً بعد الآخر مع تزايد فقدان الثقة في الإصلاح والتغيير. وقد وقع الحريق الذي شب بمسرح قصر الثقافة التابع لوزارة الثقافة في مدينة بني سويف على بعد 150 كيلومترا الى الجنوب من القاهرة، نتيجة وقوع شمعة استخدمت ضمن ديكور عرض <<حديقة الحيوان>> لفرقة نادي الفيوم المسرحي، وأسفر الحريق عن مقتل شخصيات بارزة مثل أستاذ الدراما في المعهد العالمي للمسرح التابع لاكاديمية الفنون والممثل والمخرج محسن مصلحي صاحب التأثير الكبير في الأوساط الطلابية وكذلك المخرج بهاء المرغني الناشط في الحركة الطلابية في السبعينيات، وغيبت النيران ايضا اسمين لامعين في عالم النقد والكتابة المسرحية هما أستاذ النقد في اكاديمية الفنون حازم شحادة وزميله الناقد والأستاذ في نفس المعهد مدحت ابو بكر إضافة الى نزار سمك الذي كان من أبرز مطلقي مهرجان نوادي المسرح قبل 15 عاما، وأستاذ المسرح المتميز صالح سعد وغيرهم من الممثلين الواعدين والصحافيين والمشاهدين في مأساة بلغت حصيلتها 52 قتيلا وما يقرب من 20 جريح. وقعت الكارثة بعد يومين من بدء فعاليات الدورة الخامسة عشرة لمهرجان نوادي المسرح الذي كان يشارك فيه 51 عرضا من بين 751 عرضا أنتجتها نوادي المسرح في قصور الثقافة التابعة لهيئة الثقافة الجماهيرية للمشاركة في المسابقة الرسمية للمهرجان، فرق من محافظات الإسكندرية وبورسعيد والفيوم والسويس والجيزة والمنيا والأقصر وسوهاج والشرقية والإسماعيلية والمنوفية، وتعتبر نوادي المسرح في مصر أهم مفخرة للفنانين الشباب وقد ترعرع فيها عدد كبير من الممثلين الذين أصبحوا نجوما في المسرح والسينما والتلفزيون. في هذا التحقيق نحاول التعرف على وقع المأساة وآثارها على جمهور الكتاب والمثقفين خاصة الذين عملوا في الهيئة العامة للثقافة وشاركوا في أغلب أنشطتها وفعالياتها لسنوات طويلة بعد مرور ما يزيد على أربعين يوماً من وقوعها. الكاتب الروائي إبراهيم عبد المجيد الذي تولى أكثر من منصب في الهيئة العامة لقصور الثقافة منها إدارة الثقافة العامة وسلسلة كتابات وهو الآن مسؤول عن أطلس الفلكلور، يقول إن المشكلة الأساسية للهيئة أن الجيل الأول والثاني من الكتاب والأدباء والموظفين الذين كانوا على دراية ووعي بالعمل الثقافي هجروها أو أخرجوا على المعاش، فجرى على الهيئة ما جرى على المجتمع كله فالثقافة أصبحت شيئاً مكروهاً، وأصبحت السيطرة للموظفين في الغالب، وأصبحت مديريات الثقافة في المحافظات تدار بمعرفة موظفين يعانون من الفقر والمستوى المتدني من الأجور والذين يبحث أغلبهم عن أعمال أخرى غير الثقافة لتلبية احتياجاتهم، وأصبح عملهم في قصور وبيوت الثقافة نشاطاً موسمياً تقليدياً مزعجاً هو وأصحابه، أيضاً ضعف وتردّي الميزانيات المخصصة جعل بيوت الثقافة في الأقاليم لا تسمح بشراء الصحف اليومية، والأبنية تغيب عنها الرعاية والصيانة ويأكلها الإهمال. كأن شيئاً لم يقع!! ويرى الكاتب والناقد أحمد عبد الرازق أبو العلا (تولى أكثر من منصب في هيئة قصور الثقافة خاصة في إصداراتها مثل مجلة الثقافة الجديدة وسلاسلها الإبداعية) أنه بعد شهرين من أحداث محرقة مسرح بني سويف التي راح ضحيتها 52 شهيدا من الكتاب والنقاد والصحافيين والجمهور، نتساءل: ما الذي حدث؟؟ مر الأمر مرور الكرام، وكأن شيئا لم يحدث، فلا وزير الثقافة أقيل كما طالب أهل الضحايا والمثقفون، ولا وزير الداخلية، ولا وزير الصحة، ولا محافظ بني سويف، بل اكتفى وزير الثقافة، بإبعاد د. مصطفى علوي المنتمي إلى لجنة السياسات التي يرأسها جمال مبارك عن رئاسة الهيئة العامة لقصور الثقافة، بعد أن جاءته الأوامر من لجنة السياسات، التي قامت بحمايته في بداية الأمر، ثم باعته حين لم تستطع حمايته أمام غضب الجميع، وثورتهم، وأمام اللعبة المسرحية التي قام بها فاروق حسني وزير الثقافة، حين قدم استقالته غير المكتوبة، ووضعها أمام الرئيس مبارك، الذي لم يقبلها، وكأن أرواح المصريين لا قيمة لها، فما بالك والأرواح لرجالات المسرح ونقاده وكتابه!!. هذا الأمر يكشف القناع عن النظام الذي لا ينحاز لشعبه بقدر انحيازه إلى مصالحه، حتى لو جاءت على حساب الأرواح، قدم وزير الثقافة بعض الموظفين الصغار كبش فداء، فأبعدهم عن وظائفهم، وحولهم إلى النيابة العامة التي أفرجت عنهم بكفالة مالية، لحين انتهاء التحقيقات، لكن السادة الوزراء لم يصبهم أي سوء، ولم يقف أي واحد منهم أمام أي جهة تحقيق، وكأن الوطن أصبح وطنهم وحدهم هل تستطيع عشرة آلاف جنيه، وهو المبلغ الذي صرفته وزارة الثقافة نيابة عن الدولة لكل شهيد، هل يستطيع هذا المبلغ أن يعوض أسر أهل الشهداء، وهل هذه هي القيمة التي تُحددها الدولة لكل كاتب أو ناقد أو مفكر، إذا أصابه سوء، نتيجة إهمال من الدولة؟؟ إن الدولة في حقيقة الأمر دولة قاتلة، ولو كنا في مجتمع ديمقراطي متحضر، لقدمت الحكومة كلها استقالتها، لكننا في دولة حين يموت كل هذا العدد من المثقفين نتيجة إهمال هي السبب الرئيسي فيه لا تقوم بتنكيس الأعلام، بل تقوم بممارسة الحياة وكأن شيئا لم يحدث، ولذلك وجدنا وزير الثقافة يصر على استمرار إقامة مهرجان تافه اسمه (مهرجان المسرح التجريبي) دون ادنى احترام للمشاعر، والسؤال هو: لو كان مسؤول واحد قد مات مع هؤلاء الشهداء، فهل كانت الأمور ستسير على النحو الذي سارت عليه، من الإهمال واللامبالاة؟؟. وزارة الثقافة بعد المحرقة قررت تعطيل كل الأنشطة المسرحية في الأقاليم، بحجة أن الأماكن غير مجهزة امنيا، وبسبب أن وسائل الأمن الصناعي غير قائمة، تفعل هذا بمنتهي البراءة، وكأن وزير الثقافة الذي يرأس هذه الوزارة منذ ثمانية عشر عاما وما زال لم يكن يعلم أن الأمور في مسارح قصور الثقافة أمور سيئة منذ سنوات، ولم يكلف نفسه بتوفير الأموال اللازمة لتأمين تلك القصور والبيوت الثقافية، التي تعدى عددها في مصر كلها 513 موقعا ثقافيا، لم يكلف نفسه بتوفير الأموال لهذه الأماكن، في الوقت الذي ينجح فيه في توفير مئات الملايين من الجنيهات، لإقامة احتفاليات لا قيمة لها، لأن مردودها الثقافي وقتي، وباهت، وضعيف، لكن المردود الثقافي الأعمق، المؤثر، هو المردود المستمر والدائم، وهذا ليس موجودا، ومنذ سنوات. إن تلك المحرقة تفرض علينا مسؤولية أن نُجبر المسؤولين في الدولة على الاهتمام بأمور الثقافة، وإعلاء شأن المثقفين الذين تحول معظمهمإلى قطيع، في حظيرة وزارة الثقافة، وهذا هو تعبير وزير الثقافة المصري نفسه، حين تباهى يوما وما زال يتباهى، بأنه نجح في إدخال المثقفين المصريين إلى الحظيرة، ويقصد حظيرة الدولة، بالهبات التي أعطاها لأصحاب الولاء، والمريدين، والأصدقاء، وباتت قضية مثل قضية (المثقف والسلطة) لا تجد لنفسها مكانا في مجتمع باع فيه معظم المثقفين ضمائرهم، في مقابل بعض العطايا والمنح التافهة وتخلوا عن دورهم الأساسي، ولا يمكن أن يقوم المثقف بدوره وهو على حالة وئام كامل وتام مع الواقع ومع السلطة، لأن الاختلاف هو الذي يدفع المجتمع أي مجتمع إلى التقدم والرقي. إن محرقة بني سويف كشفت المأزق الذي وضع المثقف نفسه فيه، فلا هو أصبح ضمير الأمة، ولا هو أصبح عميل السلطة الكامل، بل أصبح يسير على الحبل لأنه أراد أن يسلك المسلكين معاً، وهذا الطموح مستحيل تحقيقه، فلا بد أن يكون لك موقف محدد تجاه ما يحدث، لا بد أن تكون مع أو ضد، ولكن أن توقع باسمك على بيان يقول لرئيس الدولة لا تقبل استقالة الوزير، الذي أعلن مسؤوليته السياسية عما حدث في المحرقة؟!! فهذا أمر عبثي، وسلوك فج للمثقف، لأن هؤلاء باعوا ضمائرهم، مقابل لا شيء. حريق الوعي في بني سويفالناقد د. مصطفى الضبع أستاذ النقد الأدبي جامعة القاهرة فرع الفيوم ومدير تحرير سلسلة كتابات نقدية وأحد أبرز الوجوه التي تشارك في مؤتمرات وفعاليات الهيئة العامة لقصور الثقافة، يقول: بعيدا عن الأحداث الدامية التي نحاول جميعا وخاصة المسؤولين التنصل من أسبابها، وبعيدا عن الدموع التي من المفترض ألا نذرفها على المحترقين بأن نوفرها لما هو قادم من كوارث فالأجراس تدق للأحياء ا للذين رحلوا مودعي إيانا سادرين فى جهلنا، بعيدا عن كل ذلك يتطلب الأمر التوقف عند مجموعة من الرواسخ التي ما دامت قائمة فى حياتنا فعلينا أن نكتب وصايانا قبل الأوان: أولا: غياب الفهم الحقيقي لدور المسؤول للمتأمل لأدوار المسؤولين في الصحة والثقافة والأمن يتأكد له أننا نعيش في عالم المسئولين الآلهة، لم يتقبل وزير الصحة مقولة أن المستشفى الحكومي غير مؤهل لاستقبال حالات الطوارئ، رغم أننا نعلم جميعا أن مستشفيات وزارة الصحة ينطبق عليها مقولة الداخل مفقود (هل يفسر لنا السيد الوزير توالي حالات الوفيات بعد المحرقة؟) لم يتقبل مسؤول واحد النقد حتى لو كان تنبيها أو إشارة لمثلبة واحدة ولو كان المسؤول (أي مسؤول) على ثقة من نفسه بدرجة ما فهل تنسحب هذه الثقة (وبأي درجة) على من يعملون معه، إن المسؤول لا يتعامل مع مرؤوسيه بمنطق البشرية وأن منهم المجيد ومنهم دون ذلك، وإنما يتعامل بمنطق أن هؤلاء (رجالته) ومن ثم الاقتراب منهم معناه الاقتراب منه شخصيا (كم من الزمن احتاج السيد وزير الثقافة لإقالة الدكتور مصطفى علوي؟). ثانيا: غياب الوعي، الوعي بما يمكن حدوثه وما يتطلب خيالا نحن نفتقده (تراجع حالة العامل الذي أغلق باب المسرح من الخارج). ثالثا: غياب المثقف الحقيقي وحلول المثقف المدجن، وهو ما يمثل صدمة من نوع خاص لا تقل في نظري عن المحرقة ذاتها. لقد احترق البعض بمحض إرادتهم حين تابعنا ردود أفعالهم وإيثارهم جانب المصلحة الشخصية (يراجع موقف بعض الذين خدعنا في كونهم مثقفين لنكتشف أنهم لا يستحقون اللقب). ستظل الحال على ما هي عليه وعلى المتضرر اللجوء للوعي الغائب، ذلك الذي هجرنا منذ سنوات أو فلنقل إن المحترق الأول هو الوعي بكامله. نظرة مستقبلية للحادثةالقاص والروائي السيد نجم يقدم رؤية مختلفة لما سوف يترتب على الحادث فيقول: أظن أن ما حدث فى قصر ثقافة بني سوف يعد بؤرة ارتكاز للكثير من القضايا التي يمكن أن تنطلق منها، إلا أنني أفضل النظر الى <<الرؤية>> المستقبلية لما حدث وتبعات الحادثة المشؤومة. لعل مستقبل الآليات الثقافية أو بتعبير آخر الصناعة الثقيلة في الثقافة، هي ما يتوجب إعادة النظر إليها. تعد هيئة قصور قصور الثقافة واحدا من تلك المصانع/ المؤسسات المأمول منها بالدور المرجو، ضمن الصناعات الثقيلة الثقافية. وإن كان ما حدث في قصر بني سويف يعد مأزقا لأي مؤسسة كانت، فلا مناص من وقفة مع النفس.. مخلصة وصادقة لوجه الله والوطن. سوف نعدد الأسباب القريبة والبعيدة، الظاهرة والخفية.. وبالجد والصدق، يمكن تجاوزها. وسوف نشير بأصبع الاتهام إلى شخص ما أو نظام عمل، أو حتى لقوانين ولوائح قاصرة، كل ذلك يمكن تجاوزه. أما أن تمنع الأمهات أطفالهن من ارتياد قصور الثقافة، فهذا واقع حقيقي الآن، وأكثر ما يؤلمني بعدما هدأ الجميع. فالطفل هو المستقبل، ولا قيمة حقيقة للقصور الثقافية، ولا أقول لكل المؤسسات الثقافية، ان لم يكن الطفل نصب عينيها. وها هو ذا الطفل.. الأمل يمنع من ارتياد القصور الثقافية، والأم.. نلتمس لها بعض العذر، ولكن لا نكتفي بالصمت، يجب أن نتجاوز الآني بكل السرعة الممكنة، وعلى أسس جديدة. أخطر ما نتج عن حريق قصر ثقافة بني سويف (في رأيي) هو عزوف الأطفال والصبية الآن من ارتياد قصور الثقافة، وخصوصا أن بعض المحافظات بأمر من المحافظ، أغلقت أبواب بعض قصور الثقافة فيها، حرصا على أرواح الجميع..!! تمر هيئة قصور الثقافة الآن بمنعطف خطير، لاستيعاب ما حدث، ثم تجاوزه، ثم التقدم سريعا نحو رأب الصدع، وجمع شمل روادها.. وأكرر روادها من الأطفال. إن الأمهات اللاتي منعن أبناءهن، لن تقنعهن الشعارات ولا الكلمات المتفائلة، ولا الصمت.. لن يسمحن لأطفالهن بالعودة للصراخ واللعب داخل أروقة قصور الثقافة، الا بعد أن يشاهدن عملا إيجابيا فاعلا وصادقا وجادا، داخل تلك القصور، والبيوت الثقافية على الضفة الأخرى من النهر، لعلني أقصد الوجه الآخر من العملة، أو هي المراكز الثقافية في الريف والصعيد، والقرى والنجوع!! هولوكوست مصري الكاتب الصحافي حلمي النمنم (عضو لجنة الكتاب والنشر بالمجلس الأعلى للثقافة): على المستوى البعيد لن يكون للحادث آثار كبيرة سلبية أو إيجابية، فهذا الحادث يقع في نطاق حوادث مشابهة تقع باستمرار في مصر ولم تهتز الدنيا، نحن نعيش ما أسمّيه هولوكوست مصرياً، كل يوم تقريباً تقع حوادث مشابهة، قبل حادث بني سويف بليلة واحدة سقط أتوبيس في النيل أمام مدينة المنيا ولم يعثر إلا على خمس جثث فقط، الجهات المختصة قالت إن الأتوبيس كان به 29 راكباً ولكن الذي يعرف الأتوبيسات في صعيد مصر يمكن أن يتخيل أن الرقم ضعف ما ذكرته الجهات الرسمية على الأقل، ومع ذلك لم يتحرك أحد. بعد محرقة مسرح بني سويف بيومين نزل جرار زراعي في مدينة بني سويف نفسها وكان به 13 طفلاً وطفلة تحت السنوات العشر من العمر كانوا في طريقهم للعمل في الحقول وماتوا جميعاً ولم يتحرك أحد. حادث المسرح في هذا السياق عادي جداً لكن غير العادي أن الضحايا من النخبة، فتحركت النخبة ممثلة في المثقفين والكتاب والصحافيين، أما أولئك الذي يسقطون يومياً بالعشرات في حوادث متفرقة فلا يتحرك أحد (لأنهم من العوام والرعاع أو الزعران الذين لا يهتم بهم أحد). خراب شامل الكاتبة فريدة النقاش رئيسة تحرير مجلة أدب ونقد: ما حدث في بني سويف كان فريداً من نوعه، لا فحسب لأن أبسط وسائل الأمان كانت غائبة ولكن أيضاً لأن خراباً شاملاً قد كشف عن وجهه القبيح في كل المؤسسات الأخرى، إنها رسالة إلى كل المصريين فحواها أن حياتكم بلا قيمة لها، وأن الموت يتربص بكم جميعاً في كل مكان لأهون سبب وأنكم تواصلون الحياة مصادفة وأن كلاً منكم مطالب بأن يحمي نفسه وأسرته وأن لا يهتم بالآخرين فما من منفذ أو ملاذ أو ضمان. إن معظم هؤلاء الذين التهمتهم المحرقة في بني سويف لم تكن بني سويف محطتهم الأولى بل ربما هي الألف في رحلة شاقة جابوا فيها أقاليم مصر شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً ليشاهدوا الأعمال الفقيرة ويلتقوا بالمثقفين والكتاب الفقراء ويشاركوا في تقييم الأعمال ويقدموا خبراتهم ومعرفتهم لهؤلاء الذين هم في أمس الحاجة للعون بعد أن انكمشت الميزانيات المحدودة المخصصة للمسرح الإقليمي والتي كانت قد تآكلت أصلاً بسبب التضخم وارتفاع الأسعار، وأصبح جزء أساسي من الإنفاق الحكومي موجهاً للمهرجانات دون نظر جدي لأوضاع قصور الثقافة التي من المفترض أنها ترعي المثقفين في كل أقاليم البلاد وتساعدهم على تطوير مواهبهم وإمكانياتهم. حكايات لا تنتهي!وتستشهد الكاتبة د. كرمة سامي أستاذة الدراما بكلية الآداب جامعة عين شمس بحكايات وأقوال من عاشوا هذا الجحيم وتتحدث عن رؤيتها وتقول: اشتعلت خشبة المسرح فأسرع صديقي الشاب الفنان شادي الوسيمي بالخروج من الباب الضيق، اتصل بالمطافئ وبالاسعاف ودخل وخرج عدة مرات لينقذ ما يمكنه من زملائه، وفي المرة الأخيرة لدخول شادي لم يخرج فقد انفجر غاز الفريون واستشهد شادي، وهذه شهادة زملائه الناجين من الحريق لوالدته. تأخرت عربات المطافئ وتأخر الإسعاف ونجا شادي من الوقوع في براثن شبكة الجهل والتخلف وغنم مع زملائه طلاب أكاديمية الفنون وعشاق المسرح وأساتذته من نجوم نقاد المسرح بالشهادة. لكن بقي لنا بعد المأساة التي لم تنته بعد المكاشفة ومواجهتنا مع النفس بعد هذه الخسارة الغالية التي لا تحتمل. عندما احترقت ستارة المسرح انكشف ما تصورناه مستورا وشاهدنا بأعيننا الفقر المعيب في الخدمات الصحية والأمنية والثقافية. ولكي لا نتهم <<بالتهويل>> يكفي لنا أن نتابع ما ينشر عن الضحايا وتفاصيل المشهد الثقافي لنتبيّن الخدعة الكبرى في أداء فقير ومخز لكل من له صلة بالحريق، خارج مشهد الحريق يتصل الدكتور صالح سعد من هاتفه المحمول ليستنجد بأسرته ثم يلقى ربه في اليوم التالي متأثرا بحروقه، أحد وكلاء وزارة الثقافة السابقين يصرح لصحيفة رسمية بأن نصيب الفرد من الخدمات الثقافية لا يتعدى ثلاثين قرشا سنويا، المسرح التجريبي السنوي كلف مصر أكثر من مئة مليون جنيه مصري، انكشفت الثقافة المصرية واحترقت داخل القاعة الصغيرة لنكتشف أنها أطلال مبعثرة، كان ويليام شكسبير يعرض أعماله على خشبة مسرح الجلوب وفي بلاط الملكة إليزابيث، لم يكن البذخ أو الترف هو الذي نشر رسالته الفنية عبر العصور وإنما الفن الحقيقي الذي أبدعه لكل مواطني العالم، لذلك لا يبنى صرح الثقافة المصرية الشامخة العريقة بقص أشرطة المهرجانات في دار الأوبرا بالجزيرة وإنما بتخطيط وتنفيذ مستمر لنشر الثقافة في كل قرى مصر لكي يحلم الفقراء ويصبح الفن أجنحتهم التي يحلقون بها. أصابت محرقة بني سويف الثقافة المصرية في مقتل وكشفت هشاشة البنيان وهو ما كنا نشعر به منذ سنوات حتى أصبح حقيقة واقعة سقط ضحيتها خمسون من أبناء هذا الشعب الطيب ينتمون إلى طائفة المثقفين التي أوشكت على الانقراض.. عندما يحترق <<بيت>> الثقافة ولا يجد المثقفون لهم مأوى لا بد لنا من وقفة حاسمة مع النفس مثقفين ومسؤولين لكي لا نسمح بتكرار هذا الحدث المشين على أرض مصر الحبيبة مهد الحضارات وأم الدنيا؟ الناقد والكاتب المسرحي د. نبيل بهجت أستاذ علوم المسرح في جامعة حلوان: للأسف غياب الإمكانيات وعدم توافر وسائل أمان والإهمال، هذه أمور تتكرر لكن لا أحد يشعر حتى تقع كارثة بهذا الحجم، والمشكلة أن المسؤولين عن هيئة قصور الثقافة بمختلف مستوياتهم الإدارية ليس لديهم تصور عن كيفية إعداد وتجهيز مهرجان يستضيف أعدادا كبيرة من الفرق المسرحية المشاركة التي تحتاج لإجراءات واستعدادات للتأمين وللطوارئ ولا يعرفون كيف ينسقون مع الجهات التنفيذية المختلفة. من أجل ذلك فإن كارثة بني سويف يمكن تكرارها بسهولة في أماكن أخرى تابعة لهيئة قصور الثقافة، ويمكنني أن أضرب لك الأمثلة على عدد كبير من قصور الثقافة عبارة عن خرائب لمخلفات المهرجانات ومرتجعات الكتب وغير ذلك