الأحد، نوفمبر 27، 2005

ادانة وزراء الثقافة والصحة والداخلية

ادانة وزراء الثقافة والصحة والداخلية وثلاثة بيانات ترفض المعالجة المشوهة للمحرقة تقرير تقصي الحقائق عن مسرحة بني سويف يكشف تقصيرا واسعا

القاهرة ـ القدس العربي ـ من محمود قرني: 2005/11/25

صدر مؤخرا تقرير تقصي الحقائق عن محرقة مسرح قصر ثقافة بني سويف وكانت جماعة 5 ايلول (سبتمبر) التي يشكل قوامها عدد من المسرحيين قد قامت علي إعداد التقرير عن المحرقة وأسبابها.والجماعة التي أخذت اسمها من اليوم الذي وقع فيه الحادث تواصل عملها في محاولة يائسة لتحسين أوضاع المسرحيين لا سيما فرق الهواة والمسرح الحر والعاملين من المسرحيين مع هيئة قصور الثقافة والبيت الفني للمسرح، وغيرهما من الهيئات الثقافية

وكان الحادث قد أودي بحياة حوالي اثنين وخمسين فنانا وناقدا وكاتبا عندما كانوا يواصلون عملهم في عروض إحدي الدورات المسرحية الإقليمية. وقد أدت الأصداء الواسعة للحادث إلي سجال كبير وصل إلي التلاسن بين وزير الثقافة فاروق حسني وعدد من المثقفين لا سيما نشطاء حركة أدباء وفنانون من اجل التغيير . وانتهت زوبعة الحادث نسبيا بعد إقالة الوزير لرئيس هيئة قصور الثقافة مصطفي علوي وتعيين الدكتور احمد نوار خلفا له. غير أن الأيام القليلة التي أعقبت الحادث شهدت إغلاقات لكل القاعات المسرحية التابعة للهيئة ووقف النشاط المسرحي كله

وقد تواصلت ردود الفعل الواسعة علي التقرير حيث طالب اتحاد الصحفيين ببريطانيا وإيرلندا بفتح تحقيقات جدية في المحرقة وذكر بيان صادر عن الاتحاد بضرورة إعلان الحقيقة علي الرأي العام المحلي والدولي وأشار البيان إلي أن كل صحفي في بريطانيا هزه ما جري علي المسرح وتمثل الصور التي بثت عن الحادث أن الفنان المصري مهمل ولا يلقي أي اهتمام من قبل الجهات المسؤولة خاصة من ينتمي للتيارات الجادة. وفي الداخل استنكر بيان صادر عن حركة أطباء من اجل التغيير الحادث وما نتج عنه وكذلك صدرت عدة بيانات مماثلة عن حركة 5 سبتمبر وأدباء وفنانون من اجل التغيير وصحافيون من أجل التغيير ونستعرض هنا أهم ما ورد في هذه البيانات حول الحادث في بيان صحافيون من اجل التغيير أشارت الحركة إلي أنه ما زالت حركة صحافيون من أجل التغيير تندد بالفساد الذي ساد حياتنا الثقافية وأدي إلي العديد من الكوارث الهائلة التي تمثلت أخيرا ـ وليس آخراً ـ في المحرقة التي وقعت في يوم الاثنين الأسود في الخامس من ايلول (سبتمبر) الماضي، حيث أحرقت النيران التي اندلعت في القاعة الصغيرة المكتظة بـ 150 من النقاد والعاملين والجمهور أكثر من ثمانين شخصا استشهد من بينهم خمسون مواطنا من خيرة أبناء مصر من النقاد والأكاديميين وفناني المسرح والصحافيين

وأضاف البيان أن هذه الجريمة الشنعاء هي صورة من صور الفساد الذي آلت الحركة علي نفسها أن تجابهه في كل مكان حيث نجمت عن نقص هائل في الإمكانيات والأدوات ووسائل الأمان بينما يتم إنفاق الملايين في مهرجانات وبرامج مظهرية فاشلة.وجدد البيان طلب الحركة بمحاكمة كل المسؤولين عن هذه المحرقة البشعة ابتداء من وزراء الثقافة والصحة والداخلية ومرورا بمختلف العاملين الذين قصروا في أداء واجباتهم المنوطة بهم مما أسفر عن هذه الحادثة الفادحة، واستنكر أيضا محاولة بعض المثقفين إبعاد فاروق حسني عن مسؤولية الانهيار الثقافي الذي نعيشه في مجالات مختلفة وفي مقدمتها المسرح بصفة عامة ومسرح الثقافة الجماهيرية بصفة خاصة.وعبر البيان عن استياء الحركة البالغ من إصرار السلطة علي الإبقاء علي هذا الوزير رغم كل السلبيات التي شابت أداءه طوال السنوات الماضية.وناشدت الحركة الصحافيين تحويل نيران الحزن والغضب المتأججة في أعماقهم منذ حريق بني سويف الرهيب إلي نور يشع من الأقلام الحرة علي الصفحات المطبوعة لفضح كل صور القصور والتردي في الواقع الثقافي المصري المعاصر وخصوصا ممارسة بعض القيادات الصحافية لرقابة بغيضة ودعاية فجة في خدمة المسؤولين عن هذه الفاجعة

أما الكاتب بهاء طاهر فقد تولي صياغة بيان صدر عن حركة أدباء وفنانون من اجل التغيير . حيث أشار الي أننا لا يجب علينا الجلوس فقط للتأبين أو العزاء وإن كان الشهداء جديرين بأمسيات كثيرة للتأبين، وأشار إلي ضرورة أن يتعاهد كل الشرفاء من أبناء الوطن علي عدم نسيان الشهداء وعلي أن تستمر الحركة في مطالبتها إلي أن يلقي كل مذنب في هذه الجريمة جزاءه العادل مهما كان سلطانه ومنصبه وأضاف قائلا: المسؤولون يعولون علي اننا سننسي كما نسينا وأُنسينا جرائم كثيرة كهول كارثة قطار الصعيد وعلي أننا سننساق وراء تحقيقات لا نهاية لها مثل التحقيقات في جريمة الاعتداء علي أعراض الصحفيات، وكما يراد لنا الآن أن ننسي مهانة هروب أو تهريب القاتل القطري للمواطنين المصريين وعشرات الجرائم الأخري

ونقل بهاء طاهر جانبا من تقرير تقصي الحقائق الذي قدمته حركة 5 سبتمبر المعتمد علي شهادات الشهود من زملاء الشهداء وأضاف أن كل سطر من سطور هذه الشهادات فيه ما يدين كل المسؤولين عن هذه المحرقة.فيتحدث التقرير عن سقف المسرح المصنوع من مادة الفوم سريعة الاشتعال التي تحولت بسرعة البرق إلي نيران سائلة تصهر المحاصرين داخل القاعة المغلقة بطبيعتها، ويكشف التقرير أنه كانت هناك في إحدي غرف القصر المغلقة بالمفتاح ست طفايات للحريق أشار إليها احد موظفي القصر قبل أن يهرب فكسر الشاهد الباب وأخرج الطفايات لكنه وجد نفسه مضطرا لاستخدامها في إطفاء المصابين الخارجين من المسرح في حالة مفزعة، إذ يتساقط جلد الوجه محترقا وتذوب الملابس داخل الجلد فيشتعل الألم ويحاول الكل ـ حتي الفتيات ـ خلع هذه الملابس، فلا تكفي الطفايات لمجرد إنقاذ الهاربين من جحيم صالة العرض، وعندما يجد بعضهم القدرة علي الجري إلي مستشفي خاص يقع أمام باب قصر الثقافة يغلق المستشفي بابه الحديدي بالقفل أمام المحترقين ويرفض إسعافهم بأي شكل، وعندما تصل أول عربة إطفاء بعد أربعين دقيقة من إبلاغ المطافئ التي تقع علي بعد 5 دقائق من القصر المشتعل، عندها تصل عربة إسعاف وحيدة بدون طبيب أو أي تجهيزات..

ويضيف بهاء طاهر نقلا عن التقرير: في تلك الأثناء استطاع بعض المصابين الوصول سيرا علي أقدامهم أو نقلهم البعض إلي مستشفي بني سويف العام بينما تلتصق بأجسادهم ثيابهم الملتهبة، فيتركونهم نصف ساعة في قسم الاستقبال دون أدني إسعاف او مساعدة ثم يشار إليهم بالصعود إلي الطابق الثالث علي أقدامهم لأن المصعد معطل كما قيل لهم، فيصعد بعضهم السلم علي أربع لاحتراق سيقانهم وأقدامهم وعدم وجود مرافق لمساعدتهم. وفي الدور الثالث أدخلوا كل المصابين إلي غرفة وكل المصابات إلي غرفة أخري وتركوهم نصف ساعة أخري دون أي علاج أو توجيه ممددين علي أسرة في غاية القذارة ووسط رائحة نتنة تفوح من كل مكان حولهم. ويتشارك اثنان من المصابين في سرير واحد لعدم كفاية الأسرة كما قيل

ويضيف طاهر: أخذت حالة المصابين الذين ما زالوا يرتدون الملابس المحترقة في التدهور وأخذ بعضهم في الصراخ وانتابت آخرين حالة من الهستيريا. طلب بعضهم شربة ماء فوافق الطبيب ولكن المرافقين لم يجدوا ماء ولا كوبا واضطر أحدهم إلي غسل كيس من أكياس المحاليل الفارغة وملأه بالماء من صنبور دورة المياه. وبدأ بعد جدل طويل علاج المصابين بنوع من المراهم لم تكن كمياته تكفي، فكانوا يدهنون ذراع أحد المصابين مثلا ويتركون ذراعه الأخري وهكذا.و يضيف بهاء طاهر في البيان: فلنتذكر هذه الوقائع المخزية، وهي مجرد لمحة من معاناة الضحايا في هذا المستشفي لأن الصورة ستتغير تماما بعد ساعتين، حيث سُمح بإعطاء المصابين حقنا مخدرة فغرق معظمهم في النعاس، وبدأ نقل المصابين إلي غرف أخري وطوابق أخري، وبدا العمال يغسلون أرضية المستشفي بالماء والصابون وظهرت مفارش وأغطية جديدة للأسرة

ولكن فلننتبه لما يلي: بالنسبة للمصابين الذين لم تكن حالتهم تسمح بنقلهم فقد تم تلبيس السرير بالكامل بمفرش مربع نظيف حتي يداري المصاب نفسه بداخله وهذا كان أحد الأسباب التي ساهمت في قتل العديد من هؤلاء المصابين. ثم بدأت في الظهور كراتين الدواء يحملها عمال المستشفي ـ وقد تتبعهم أحد المرافقين فوجد أن مصدر الأدوية هو مخازن المستشفي نفسه، ومن هذه المخازن أيضا خرجت أطقم لشرب الشاي وزجاجات مياه معدنية وأكواب نظيفة ـ ويشير بهاء هنا قائلا ـ فلنتذكر كيس المحلل والماء من دورة المياه ولنتذكر أسباب ذلك الانقلاب فقد وصلت الأنباء بأن وزير الصحة قادم وبصحبته السيد الوزير محافظ بني سويف.و هنا يقول طاهر: إن ذلك النوع من التمويه والخداع الإجرامي بالمظاهر لا يقل في بشاعته عن بشاعة التسيب الذي كاد يصل إلي مرحلة القتل العمد، لكن ذلك لم يكن هو رأي وزير الصحة، فعندما يتحدث الشاهد أحمد خليفة للمحافظ عما عاناه المصابون في المستشفي وعن تدهور الخدمة فيه نهره وزير الصحة وأصر علي أن كل شيء جاهز بالمستشفي وأنه يستطيع أن يبرهن علي ذلك

وأبعد مرافقو الوزير الشاهد وكادوا يتعاملون معه بعنف لولا أنه انسحب من تلقاء نفسه.ويضيف بهاء طاهر: إن ذلك لم يكن موقف وزير الصحة وحده، فقد سمعت بنفسي محافظ بني سويف يتحدث في التليفزيون في ليلة الحريق ذاتها، يصف سرعة وكفاءة أجهزة المحافظة في تعاملها مع النكبة، وكيف تحركت المطافئ والإسعاف فورا لإنقاذ المصابين! أولئك المصابون الذين لم ينقذهم أحد وتركوا للموت والهلاك قبل أن يتحرك أي جهاز. ويضيف طاهر إن محافظ بني سويف لم يفته أن يلوم الضحايا إذ قال متهكما إن سبب المشكلة أن الباشا المخرج ـ وهو أحد الشهداء ـ استخدم الشموع في العرض مما سبب الكارثة وهذا هو الخيط الذي التقطه وزير الثقافة ومن بعده الإعلان الرسمي لتحويل الضحايا إلي جناة.وطالب بهاء طاهر باسم حركة أدباء وفنانون بالتحقيق في الخلل في توزيع موارد وزارة الثقافة المتمثل في إسراف الإنفاق علي أنشطة مظهرية مثل المسرح التجريبي وغيره من المهرجانات والتقتير في الإنفاق الضروري أو الحد الأدني من الإنفاق علي أنشطة قصور الثقافة التي تخدم الملايين ويجاهد في العمل فيها مئات أو آلاف من الفنانين لا يحصلون علي الكفاف، وطالب طاهر بألا يمتد هذا الخلل علي النحو الذي تنذر به وزارة الثقافة من وقف الأنشطة المسرحية في القصور إلي أجل غير مسمي، فالحل ـ كما يقول ـ ليس هو إيقاف الأنشطة بل التعجيل بإصلاح القصور الذي تأخر عقودا من السنين

كما طالب طاهر بالتحقيق مع وزير الصحة في وقائع الإهمال الجسيم والتنكر لكل قواعد وآداب مهنة الطب في معاملة المصابين وكذلك تعويض أسر الشهداء تعويضا عادلا وكذلك تحميل وزير الداخلية ومحافظ بني سويف المسؤولية الكاملة عن التأخر في إسعاف المصابين، بالإضافة إلي الاستمرار في الجانب القانوني المطالب بمحاكمة كافة المسؤولين عن المحرقة وعلي رأسهم وزير الثقافة. أما حركة 5 سبتمبر فقد أصدرت بيانا مواكبا للتقرير قالت فيه: بعد مرور شهر ونصف علي الكارثة ما زال تعنت النظام الحاكم مستمرا، وما زال رفض مطالبنا مستمرا، ما زال الموت يقطف زهرة شبابنا الفنانين المصريين في مستشفيات وزارتي الصحة والدفاع. وألحت الحركة علي مطالبها الأساسية المتعلقة بمحاكمة الوزراء المعنيين بالكارثة وهم وزراء الداخلية والصحة والثقافة ومحافظ بني سويف واعتبار الضحايا شهداء حرب، ورصد البيان إلصاق النيابة العامة التهمة لصغار الموظفين، وعدم اهتمامها بسماع شهادة الشهود، وكذلك عدم إعلان التقارير الطبية المفصلة عن حالة كل المصابين، وإعادة فتح المسارح التي تم إغلاقها